اليوم الرابع والعشرون: مراتب التسول

  • 0

سبق أن سجلت ملاحظة حول التسول والمتسولين في شهر رمضان وقلت، في معرض حديثي عن كسل وخمول بعض المغاربة، أو كثير من المغاربة، بأن المتسولين تصيبهم ظاهرة الخمول هم أيضا، إذ نادرا ما تلتقي بهم خلال شهر رمضان، سواء أثناء النهار او أثناء الليل. يبدو أن المتسولين يخصصون هذا الشهر لقضاء عطلتهم السنوية!

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

بالرجوع إلى ظاهرة التسول لا أخفي عليكم أنني منذ أن استقررت بالرباط، منذ حوالي 8 سنوات، أصبت بمرض نادر أسميه “mendicitis” او مرض الحساسية المفرطة ضد التسول والمتسولين. فخلال الأيام العادية لا أكاد أخرج من الدار حتى أجد نفسي محاصراً من قبل جيش من المتسولين من جميع الأعمار ومن الجنسين، من ذوي الملامح النظيفة والملامح المتسخة، حتى لأكاد أتخيل أن الرباط عاصمة للمتسولين!

هؤلاء المتسولون والمتسولات، بحكم احتكاكي اليومي بهم “بزز علي”، أستطيع أن أقدم لكم تصنيفا لهم هو كالتالي:

– صنف محترف، مرسّم في المهنة، يحتل مكاناً معيناً في الشارع، يستجدي “المسولين” (أقترح هذه التسمية على من يمد صدقة للمتسولين). هذا الصنف تجدهم بجنب المساجد، بباب المخابز، بالزوايا الرئيسية للشوارع؛

“سألتها هل لديها بطاقة “راميد”. أجابتني بأنها كانت تفكر في طلبها لكنها لم تفعل نظرا لضيق الوقت”

– صنف محترف، مرسّم في المهنة، يقف بباب العيادات الخاصة، يحمل وصفات طبية وتحاليل مخبرية ويطلب من المارين أن يساعدوهم على اقتناء أدوية. هؤلاء يحاولون دائماً أن يظهروا بمظهر المريض الوهن أو يضعون على أجسادهم ضمادات طبية؛
– صنف محترف، متحرك، يمر على مقاهي العاصمة مقهى مقهى، ويقوم بتفتيش زبناء المقهي بعيونهم، ثم يحاولون أن يقتربوا بالزبون المربح افتراضيا؛

– صنف من المتسولين المؤقتين (أسميهم مؤقتين لأنك لا تلتقي بهم باستمرار)، وهؤلاء غالبا ما تكون ملامحهم توحي بالاحترام، يكونون ذاهبين لحالهم ثم فجأة يوقفونك ويطلبون منك أن “تكمل” لهم ثمن تذكرة الطوبيس أو الترامواي أو حتى القطار؛

– صنف من المتسولين المؤقتين الذين يتسولون في مناسبات معينة: عاشوراء، عيد الفطر، عيد الأضحى، الدخول المدرسي، موت الأب أو الجدة، مرض عضو في العائلة، إلخ. هذا الصنف من المتسولين هم عموما أشخاص تحتك بهم يوميا، فرضوا نفسهم عليك ولم تخترهم: حراس السيارات (وما أكثرهم)، حراس العمارات، حراس الأحياء، “مقدمو الخدمات المتعددة”، إلخ. هؤلاء، عند اقتراب كل مناسبة، إضافة إلى “التدويرة” التي تقدمها لهم كل يوم أو كل شهر، يطلبون منك أن تؤمن لهم “ضريبة زكاة الفطر”، أو أن تساعدهم في اقتناء كبش “التضحية”، أو أن تساعدهم في توفير مراسيم عزاء، أو أن تساهم معهم في اقتناء الأدوات المدرسية لأبنايهم…

– صنف من المتسولين الرياضيين: هؤلاء هم غالبا من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و 20 سنة، يتفقون فيما بينهم لجمع مبلغ من المال، بالتسول، لدعم فريق حيهم أحيانا، ولقضاء عطلة “ممتعة” أحيانا أخرى.
تخيلوا معي الوضعية التالية: بحكم العمل في فاس، أكتري شقة أؤدي فيها 50 درهما كمساهمة في تكاليف العمارة و50 درهما لحارس السيارات الليلي. وفي الرباط، حيث تعيش أسرتي الصغيرة (بسبب اشتغال رفيقتي في هذه المدينة)، أؤدي شهريا 50 درهما لحارس السيارات اليومي، و100 درهما لحارس السيارات الليلي، و100 درهما كمساهمة في تكاليف العمارة. مجموع ما أؤديه مقابل هذه الخدمات هو350 درهما في الشهر. وفي كل مناسبة، نفس الاشخاص يطالبونك بإتاوات إضافية، وعندما تقرر التخلص من جدران البيت وتذهب لتستريح في مقهى لتتصفح بهدوء جرائدك اليومية، يقف على رأسك جيش من المتسولين. كيف إذن لا يصيبك مرض الmendicitis؟

ذات مرة دخلت دكان جرائد لأقتني جريدة، بمجرد ما هممت بالخروج، إذا بامرأة في حوالي الستين، ملابسها جد نقية وتوحي بحالة لا بأس بها. أوقفتني المرأة وبدأت تعرض عليّ مجموعة من الصور الشمسية الطبية وأوراق التحليلات الطبية وطلبت مني أن أساعدها على أداء تكاليف التحليلات. قلت لها: سيدتي، التحاليل مكلفة جدا وأنا بدوري أجد صعوبة كبيرة لتغطيتها عندما يفترض ذلك. سألتها هل لديها بطاقة “راميد”. أجابتني بأنها كانت تفكر في طلبها لكنها لم تفعل نظرا لضيق الوقت. قلت لها أنا لا أستطيع أن أساعدك مرتين فقد سبق لي أن ساعدتك في إجراء تحليلاتك. قالت لي إنها لا تتذكر ذلك وأنها المرة الأولى التي تلتقيني. قلت لها: سيدتي، أنا موظف تخصم الدولة من أجرتي 40 % كضريبة على الدخل، ومن هذه الضريبة تمول الدولة خدمات “راميد” الصحية التي يستفيد منها “الفقراء” مثلك. إن ما تطلبين مني الآن هو بمثابة سرقة. تغيرت ملامح المرأة بسرعة ثم انصرفت. يبدو أنها خافت مني!

التسول في المغرب أصبح ثقافة. انطلاقا من عقليتي “الحداثية” شيئا ما، أعتبر ان التسول، تماما كمن يعيش على الريع، آفة مجتمعنا المغربي الحديث. الكل أصبح يبكي ويستجدي والقليل القليل يشمر عن ساعديه ويعتمد على ركبتيه. لكن الأخطر، في نظري، هو مصاحبة ثقافة الفقر هذه ببرامج سياسية وبعقلية دينية، كأن الفقر مخطط استراتيجي. عكس ذلك، أرى من واجب الحداثيين، إن وجدوا شيئا ما، أن يجعلوا قيمة الجهد والعمل من بين القيم التي يمكن ان تقينا من مرض mendicitis .

Comments

comments