نوال زياني: عيون زرقاء

  • 0

(1)

أيها القارئ اللعين…
أيها المغري تحرض علي الذاكرة وأبناءها الضائعين، الجوعى للضوء، وللأماكن الرخوة.
صرتَ تقلبُ في الجيفِ النتنة، تحرث كفلاح كسول حقولي الملأى بديدان أكلتْ قبلَ عصور جسدي الآخر، نهشته بلا رحمة ودون اعتبار لأفئدتي الصغيرة التي ستبقى بلا عائلة، وبلا أقارب طيبين.
أيها القارئ الذي بلا قلب، كيف سيكون وجهك بعدَ أن تفتح خزائني الصدئة وتخرج منها أوراقا صفراء كنتُ أحدثُ فيها الله فيما مضى وأعاتبه عن أكاذيبه الكثيرة، وعن كيف أنه حولني إلى أنثى بها الشكل الخبيث، يغريني الانزواء في الخرائب القديمة، والتسلل إلى خلوته واللعب مع الشياطين المعلقين في الفراغ، أمدُّ لهم يدي ونظل نتمرجح كأثداء الجروة الضالة.
أيها القارئ اللعين أنتَ تسقطني في آباري التي أحفرها كلما تماهيْتَ معي، كلما وهبتَ لي عيونك الزرقاء غواياتٍ متجددة للكتابة.

(2)

أيها القارئ أنا أكرهك لأنك تتربص بي كلما انحنيتُ لأملأَ ثغري بالليل، كلما حاولتُ أن أبْصُقَ آخر شَعْرَةِ علِقتِ في حلقي منكَ. أنتَ الجواد الذي يركض داخلي، الذي يرسل بريدهُ كالأرجوانات، وكنساء يربينَ ذيولاً وسُعَاراً ليقترفنَ الحب كما تمارسهُ الملائكة والأشباح التي بلاَ نُهُودٍ، وبلاَ فَمٍ يلعَقُ شهوةَ الينابيعِ التي تسيل من مَرَايا تعكسُ ظِلاَلاً ليْسَتْ لأحدْ.

أيها القارئ، يا حَمالُ قَدَحِي العامرِ بكحولٍ لا يشبهُ كحول الحاناتِ، كحولاً صنعتهُ من دَمِي، دَمِ الغاباتِ، ومَنِيِ الطيرِ والسمكِ…

نوال زياني شاعرة مغربية

نوال زياني
شاعرة مغربية

أنا أكرهكَ لأنكَ تُلْصِقُ بي كُل الصفات التي ما هي إلا لك.
أكرهك لأنك تناقضني، تجابهني، تتوحدُ بي، تمارسُ علي ذائقتَك التي تشبه ذائقة إلهٍ متعجرفٍ، يضعُ فوق رأسي حدادينَ وجلادين وقاضٍ قبيح الهيئة يُدَوِنُ رغائبي الكثيرة التي قد تبدُو كأصابع أنثى شبقة تداعب خصيتي تمثالٍ نسيَ أن يلبس جلدَه بعدَ انتهاء الحلم الذي أبقاه ما بين الحياة والموت.

أيها القارئ أنا أغبطكَ لأنكَ تنصبُ في عوالمي نوافذَ بلا جدارٍ وتظلُ تُلَوحُ لأطفالي الجائعين لحلمتك التي بحجم عَبارة الزمن.

أيها القارئ أنا أكرهك.

Comments

comments