اليوم الثامن عشر: النهاية الدرامية للمتقاعد

  • 0

بالأمس تفاعل معي صديقي إدريس كثيرا عندما تحدثت عن مشروع الحياة، وقلت، ربما إجحافا (والملاحظة السوسيولوجية غالبا ما تكون مجحفة)، بأن المتقاعدين لا مشروع لهم، ويبدو أنهم في قاعة انتظار النهاية. ربطت هذه الفكرة بثقافة الخمول والكسل التي تميز الكثير من المغاربة.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

عندما يتعلق الأمر بالمتقاعدين، الذين كانوا في الأصل متعاقدين، تحضر فكرة غياب المشروع بحدة. فالمتقاعد غالبا ما يكون قد استوفى جل المتطلبات الحياتية: تربية الأولاد، بناء دار أو شراء شقة، إلخ. يبدو، لاشعوريا، أن كل الأهداف تحققت، ولا داعي للتفكير في أشياء أخرى تتطلب مجهودا وعملا. هكذا نجد ان النشاط، وبالأحرى اللانشاط الروتيني الذي يقوم به المتقاعدون، هو التالي: الجلوس في المقهى من العاشرة إلى 12:30، ثم الذهاب إلى المسجد، ثم الذهاب إلى الدار بعد الانعراج على المخبزة، ثم نوم القيلولة، ثم الذهاب إلى المقهى مساء، ثم الذهاب مرة أخرى إلى المسجد وقت الغروب، ثم العودة إلى المنزل. طبعا هذه صورة نموذجية لا تنطبق على الجميع، ولكن تنطبق على الأغلبية.

برنامج المتقاعد روتيني للغاية، ولا يكسر الروتين الذي ذكرته إلا لعب الكارطة بالنسبة للبعض، أو الانخراط في العمل الانتخابي (إذا كانت هناك انتخابات قريبة)، ومن أسعفه الحظ و”نجح” في الانتخابات سيتفرغ “للسياسة”، ومن لم يسعفه الحظ سيرجع إلى روتينه.

الروتين لا يرتبط عند المتقاعد بالبرنامج اليومي الذي أشرت إليه فقط، بل يرتبط أيضا بهندامه: الجلابة لا تكاد تفارقه!

إنها نهاية يمكن وصفها بالدرامية من الناحية الوجودية، فالمتقاعد المغربي، عموما، يفكر في الموت أكثر ما يفكر في الحياة. العمل، خلال 30 أو 40 سنة من الخدمة، لم يعد له معنى. والجنس كنشاط معيد لتوازن الشخص، يتحاشاه المتقاعد نظرا لأسباب تتعلق بالمجتمع أو بالزوجة التي أصبحت جدة. هذه الوضعية تدخل المتقاعد في قلق يومي (stress) تنتج عنه نظرة غير راضية عن الواقع، إضافة إلى التعرض لأمراض الشيخوخة: الاكتئاب، السكري، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع الكوليسترول، انتفاخ البروستات، إلخ…

“إنها نهاية يمكن وصفها بالدرامية من الناحية الوجودية، فالمتقاعد المغربي، عموما، يفكر في الموت أكثر ما يفكر في الحياة. العمل”

تجنبا لهذه الأعراض، وتجنبا للشيخوخة المبكرة، هناك اتجاه متزايد لدى المتقاعدين في كثير من الدول الأوربية والأمريكية والآسيوية إلى بلورة مشاريع حياة. وتتجلى مشاريع الحياة هذه في صياغة برامج تهدف إلى إعطاء حياة جديدة للمتقاعدين، على اعتبار أن “الشيخوخة ما هي إلا قرارا شخصيا”.

ومن أبرز طرق مقاومة الشيخوخة المبكرة مع ما يرافق ذلك من أمراض، تأسيس أندية (رياضية، ترفيهية، ثقافية، أدبية، إلخ) أو الانخراط فيها، أو الاعتكاف على العمل الجمعوي التطوعي وفق خبرات المتقاعد، أو القيام بأسفار جماعية، إلخ. وهكذا نجد في جل بلدان أروبا منظمات غير حكومية وغير ربحية يؤسسها متقاعدون من خبراء اقتصاديين، أو أطباء، أو مهندسين، أو مربين… تهدف إلى القيام بالعمل التطوعي لمساعدة المسنين أو الأطفال أو النساء في وضعية صعبة، كما تهدف إلى مساعدة الفقراء في دول العالم الثالث من خلال إنجاز مشاريع تنموية.

مثل هذا العمل لا يساهم فقط في المشاركة في إيجاد حلول لمشاكل مجتمعية أو دولية، بل يساهم أيضا في إعطاء حياة جديدة للمتقاعدين تجنبهم السقوط في مخاطر الشيخوخة المبكرة وتقليص فرص الإصابة بالاكتئاب ومرض السكري وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول وانتفاخ البروستات، إلخ. كما يجنب المتقاعدين من السقوط في العقلية “الهمزوية” التي تفرضها إغراءات العمل السياسي الانتخابي التقليدي.

إنه من المؤسف جدا أن نرى عددا كبيرا من المتقاعدين في سن 60 أو 65 أو 70 أوو حتى 80 ما يزالون في كامل طاقتهم الجسدية والفكرية وهم معطلون عن النشاط، ولا مشروع لهم غير الانتظار: انتظار الآذان، أو انتظار النهاية!

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments