اليوم السابع عشر: العيش بلا هدف

  • 0

اليوم أرغب في أن أقاسمكم ملاحظتي لواقعة طرأت منذ مدة ولا علاقة لها برمضان.

ذات يوم، بينما كنت أمشي على رجلي في فاس للذهاب إلى موعد ضربته مع صديق لي في إحدى المقاهي. وبينما أنا أهم بقطع الشارع، إذا بسيارة فارهة تجمدني في مكاني لشدة رعبي. سائق السيارة كان يمشي في وسط المدينة بسرعة اصطلح عليها في بلدي بعبارة جنونية، وحسب تقديري كان يجري بسرعة تتراوح بين 80 و 90 كلم في الساعة. وضعت عدة أسئلة حول الضرورة التي دفعت السائق إلى تلك السرعة. قلت في قرارة نفسي: ربما يتعلق الأمر برجل أعمال كبير هو في طريقه إلى المطار ويجري خوفا من أن يفوت على نفسه السفر إلى عاصمة أروبية للتوقيع على صفقة تجارية. أسئلة عديدة تبادرت إلى ذهني، إذ أن تلك السرعة الفائقة في وسط المدينة لا يمكن أن يبررها إلا مشروع جد هام.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

بعد حوالي 20 دقيقة مشيا على الأقدام، وصلت إلى المقهى التي ضربت فيها موعدا مع صديقي. بجنب المقهى، كانت السيارة التي قشعتها تسير بتلك السرعة مركونة. عرفت من خلال ذلك أن صاحبها ربما يوجد في المقهى. بعد برهة، بدا لي رجلان يتوجهان إلى السيارة وبدءا يتصفحانها ثمعادا إلى المقهى.

بعد ان شربنا القهوة صديقي وأنا، توجهنا إلى الجامعة لحضور اجتماع. دام الاجتماع حوالي ساعتين، بعدها قفلت راجعا إلى الدار. وبما أن طريقي المعتادة تمر على المقهى التي ضربت فيها الموعد مع صديقي، فقد قشعت صاحب السيارة المسرعة جدا ما يزال جالسا مع صاحبه في المقهى!وقتها اكتشفت لامعنى تلك السرعة “الجنونية”، على الأقل في نظري.

من خلال ملاحظاتنا اليومية لسلوكات شبيهة، يمكن ان نصل إلى نتيجة مفادها أن المغاربة، عموما، يفتقدون إلى مشروع. والمشروع، كما “في بالكم” هو الذي يعطي للحياة معنى، بحيث يمكن أن نقول: من لا مشروع له، لا حياة له!

الحياة مشروع. مثلا: نولد، نذهب إلى المدرسة، نمر بالابتدائي، ثم الثانوي، ثم الجامعة، ثم نشتغل، ثم نتزوج، ثم نشتري سيارة، ثم نشتري دارا… خلال كل فترة نحدد أهدافا: الحصول على البكالوريا هدف، الحصول على الإجازة هدف، الزواج هدف، شراء او بناء دار هدف…
المشروع ضرورة من ضرورات الحياة. وبما أن حياة الإنسان محدودة، فلا يمكن إعطاء معنى لها إلا بالتوفر على مشروع. الاحمق لا مشروع له لأنه يفترض ضمنيا أن لا حياة له: إنه لا يعد الأيام كما لا يعد النقود ولا يصوم ولا يهتم بكم يوم مضى على رمضان أو كم من يوم بقي لنهاية الصيام…

“المشروع نقيض لحالة الانتظار، بالضبط لان الحياة لا تقبل الانتظار”

المشروع تعبير عن نقطة انطلاق ونقطة وصول وبينهما محطات تدبير وعمل. والمشروع تدبير للزمن أيضا، فلا مشروع خارج دائرة الزمن وضبطه. من هذا المنظور “فإنسان المقهى” لا مشروع له، والمتقاعد لا مشروع له (يبدو أنه في قاعة انتظار الموت)!

الزواج مشروع: نخطط له عاطفيا، ثم ماديا، ثم قانونيا. يستهلك الزواج (أو يهلك، كيف كيف) مع الوصول إلى الهدف: الزفاف أو إعلان اللقاء. بعد اللقاء مباشرة يفترق المتزوجان ولا يجمعهما إلا مشروع تربية الأولاد. ومن حين لآخر يتظاهران بالحب!

الحصول على منصب شغل مشروع. ما هو طبيعي هو أن يخطط المرء للحصول على منصب شغل، تماما كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا: كانوا يخلقون لأنفسهم فرص الشغل، وعندما يعجزون، يخططون للهجرة للبحث عن فرصة في بلاد أخرى. اليوم، جل الشباب لا يبدأ في التخطيط إلا بعد أن “يربح” منصب شغل، فهو لا يبحث عنه، بل الشغل هو الذي يبحث عن الشاب. وعندما يجد الشاب الاكثر ذكاء فرصة شغل، يكثف بسرعة مشروع حياته: السنة الأولى، الترسيم، السنة الثانية، شراء سيارة، السنة الثالثة، الزو اج، السنة الرابعة، شراء دار، بعدها يبدأ لامشروع الخمول والكسل!

المشروع نقيض لحالة الانتظار، بالضبط لان الحياة لا تقبل الانتظار. لكن ما يبدو في واقعنا المغربي أن الكثير منا في حالة انتظار: خريجو الجامعة في حالة انتظار (البطالة هي حالة انتظار). الشباب بصفة عامة في حالة انتظار: يحضرني الآن مثال من الحسيمة حيث المدينة كلها في حالة انتظار. الشاب العاطل في حالة انتظار، سائق الطاكسب في حالة انتظار، التاجر في حالة انتظار، ارباب بواخر الصيد في حالة انتظار… ينتظرون ماذا؟ إنهم ينتظرون فرصة المرور إلى الضفة الأخرى حيث للحياة معنى. عفوا، حيث للحياة مشروع هو مشروع الحياة.

طبعا، طبيعي أن نكون في هذا المجتمع في حالة انتظار حيث تتوقف حركية الحياة في رمضان ولا شيء يعلو عن حالة الانتظار: نستيقظ على وقع انتظار متى سيحين وقت الفطور، وعندما نفطر نتسمر في المقاهي (رجال) ونتسمر أمام مسلسلات التلفزيون (نساء) ثم ننام لكي نستيقظ على وقع الانتظار: ننتظر لنأكل، وناكل لننتظر!

عفوا لأساتذة اللغة على أخطائي النحوية، لا شك انكم تنتظرونها!

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments