اليوم الثالث عشر: لا مجال للاختلاف

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

بالأمس واليوم تناقلت المواقع الإخبارية وحسابات الفايسبوك خبر جديدا للاعتداء على “الحرية الفردية”. يتعلق الامر بعقاب جماعي جسدي طال مواطنا مغربيا “اتهم” “بمخالفة الآداب العامة”. الشخص “المتهم”، من خلال ملابسه وطريقة تصرفه، يبدو أن له ميولات مثلية. مواطنون مثليون يعبرون مظهريا عن ميولاتهم المثلية يكادون يؤثثون المشهد العام في كبريات المدن، غير ان هذه المرة يتعلق الامر بعدم استساغة هذا “الشاذ” في زمن تكثيف المقدس.

مع تكثيف المقدس لا مجال للاختلاف، فحتى الملابس ينبغي ان تتوحد تحت سطوته: الجلاب، في الغالب أبيض اللون، سواء كان رجاليا او نسائيا، هو رمز انخراط “الأمة” في هذا الطقس الرمضاني. المسلم هنا يتوحد، من خلال الجلاب الأبيض، مع قداسة رمضان، تماما كما يتوحد مبايعو السلطان في جلاليبهم البيضاء. لا مجال للاختلاف هنا: التنورة لباس “مستفز”، وتشبه المثلي بالمراة، عبر نوعية الملبس، “مستفز” أكثر.

تماما كالفتاتين اللتين تجرأتا على ارتداء تنورة قصيرة، والشابين اللذين “ضبطا” وهما في “حالة سكر” في تمارة، فإن “مثلي” فاس يستحق العقاب لأنه تجرأ على “الحس العام” الذي يتطابق هنا مع “الحس الديني”.

“يبقى المجال الذي يوفر حاليا أكبر هامش للتعبير الرافض والساخط هو المجال الحقوقي، خصوصا المتعلق منه بالحريات الفردية”

هذه السلوكات النادرة، المسماة شاذة لأنها بالضبط نادرة في زمن ضبط الاندماج المجتمعي عبر “الحس الديني” بدأت تتخذ في الواقع المغربي الحالي بعدا جديدا: إنه بعد كسر المواطنين لاحتكار الاتهام واحتكار سلطة العقاب من طرف الدولة. مظاهر أخذ “الحق” من طرف المواطنين، بدل الدولة، أصبحت تهدد، ليس فقط ما يسميه البعض بالحريات الفردية، بل أيضا هيبة الدولة، حتى إن تدخلت الدولة فإنما لتساير “الغضب الشعبي” كما وقع في إنزكان مع مرتديتي التنورة القصيرة.

شخصيا، كنت اعتقد ان عهد الانتقام الجماعي، والقصاص الجماعي، والقانون الجماعي، ولى إلى غير رجعة. لكن الأحداث تبين العكس، فصك “الاتهام” لم يعد حكرا على الدولة. اليوم يتلقى مواطن ضربات موجعة في الرأس والبطن ومختلف أنحاء الجسم، مع هستيريا جماعية مرفقة بالتكبير. وغدا، من يدري، فقد يلتجيء هؤلاء إلى الرجم والجلد، كما تفعل بعض “الدول الإسلامية” جدا.

علاقة الإنسان بجسمه والمتعة التي يتيحها استخدام جسمه بالعلاقة مع أجسام الآخرين قضية قديمة جدا. العلاقة التي نعتبرها “طبيعية” هي علاقة بين ذكر وأنثى. حتى هذه العلاقة “الطبيعية” هي موضوع خلاف وموضوع تقنين شديد للغاية. لكن أن يتعلق الأمر بتعابير أخرى ذات منحى نفسي-بيولوجي أو ذات منحى ثقافي، فهذه التعابير لا يسمح لها إلا ضمن دوائر مغلقة جدا، أو ضمن إستراتيجيات خاصة جدا. ففي مجتمعنا الذي يرفض الاختلاف (الطبيعي او البيولوجي او الثقافي)، له رأي آخر فيما يتعلق بالبيدوفيليا او الاغتصاب او مداعبة الغلمان التي تعتبر موروثا ثقافيا يمكن أن نتعايش معه دون إثارة غضب “الجماعة”. و”المثلي” الذي يتجرأ على إعلان هويته ما عليه، إن أراد أن ينجو من الانتقام الجماعي، إلا أن يرفع البطاقة الحمراء: بطاقة الحمق!

سواء تعلق الأمر بفتاتي إنزكان، أو تعلق الأمر بسكارى تمارة، أو بمثلي فاس، فالمسالة التي تثار من طرف بعض المغاربة هي مسألة حقوقية بامتياز. وأمام ضعف كفاحية المعارضة والنقابات العمالية وضغط جمعيات الدفاع عن المستهلكين، يبقى المجال الذي يوفر حاليا أكبر هامش للتعبير الرافض والساخط هو المجال الحقوقي، خصوصا المتعلق منه بالحريات الفردية. هذا المجال، بالرغم من كون البعض يعتبرونه مجال التحرك الوحيد “للمناضلين الجدد”، فهو يختزل مأزق مجتمع بكامله: تكريس مزيد من سيطرة الليبرالية الرأسمالية-الإسلاموية المتوحشة، والتغطية على هذه السيطرة عبر التضييق على الحريات العامة والفردية باسم “الآداب العامة”.

ليس لدي أدنى شك بأن ما وقع في إنزكان وفي تمارة وفي فاس حقيقي. وليس لدي ادنى شك بأن المواطنات والمواطنين الذين خرجوا في الرباط والدار البيضاء للتنديد بتوسيع دائرة تحرك التطرف الملغي للحريات، كما أنني ليس لدي أدنى شك بيقضة المواطنات والمواطنين الذين يعبرون عن رأيهم ويتقاسمونه عبر مختلف أشكال التواصل المتاحة، لكنني أظن بأن هناك شيء ما آخر يطبخ على نار هادئة، لن يكون مفيدا البتة لكثير من المواطنات والمواطنين.

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments