اليوم الثاني عشر: عودة المقدس على حساب المدنس

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

حضور الديني في وعي الإنسان قديم قدم انخراط الإنسان في تاريخه، ويعتبر الشكل الأولي والبدائي لوعيه. والدين، كشكل من أشكال الوعي، لا يؤطر فقط ما هو روحي (علاقة الإنسان بمعبوده) بل ويتعداه ليؤطر علاقات الناس كعابدين فيما بينهم، ثم فيما بينهم وبين معبودهم.

في كل الأديان (“سماوية” أو غير سماوية، توحيدية أو غير توحيدية) يتحول المعبود إلى موضوع حب وموضوع قداسة. ما يوحد الناس في حبهم للذات المعبودة هو حبهم لأنفسهم، لأن حب الله يمر عبر حب المؤمن لأخيه المؤمن. القداسة هنا تمر عبر الحب المطلق. غير أن الناس يميلون أيضاً إلى عدم الحب، أي الكراهية. ما يفرق بين الناس هو أصل الكراهية. حتى في حالة تطابق المعبود (الله بالنسبة للمسلمين، سنيين كانوا أو شيعيين، وبالنسبة لليهود والمسيحيين) فإن الكراهية بين البشر، أي اللاحب، تمر عبر الاختلاف الحاصل في مخافة الله (بالنسبة لليهود والمسلمين) وحب الله (بالنسبة للمسحيين). في جميع الحالات فإن التقرب من الله يوحد المؤمنين بالله جميعاً، وطرق التقرب منه تفرق فيما بينهم. سنسمي أشكال التقرب من الله “بالحس الديني”.

يعتبر شهر رمضان بمثابة مختبر في غاية الأهمية لقياس “الحس” الديني لدى المسلمين، مؤمنين أو غير مؤمنين. فخلافاً للزمن غير رمضاني (11 شهرا من السنة)، يعود المقدس بكل ثقله على حساب المدنس الذي يميز ال11 شهراً من السنة غير رمضانية. عودة المقدس هذه تفسر لنا في العمق ذلك التناقض الجوهري بين المقدس والمدنس، وبين الحب واللاحب الذي يميز ازدواج شخصية الإنسان.

أجواء رمضان في المغرب مسجد الحسن الثاني الدار البيضاء

أجواء رمضان في المغرب
مسجد الحسن الثاني
الدار البيضاء

 

سأنطلق من مثال حي: التقيت مؤخراً صديقاً قديماً لي تعرفت عليه أيام الدراسة. بعد أن سألته عن أوضاعه وطرحت عليه السؤال المغربي التقليدي: “كي داير معا رمضان”، أجابني بأنه بخير وأنه “يتأقلم مع الوضع”. أضاف: إنني أصوم كباقي الناس وأصلي يومياً “التراويح”، كما أنني أواظب على صلاة الجمعة. لم تتملكني أية غرابة رغم معرفتي المسبقة بصديقي: مناضل قديم ووفي في تنظيم يساري عرف عدة تحولات، كان هو وتنظيمه أشد التمسك بالماركسية اللينينية، وكان لا يصلي ولا يصوم. وعندما سألته عن سر هذا التحول قال لي: إنني عندما أترشح في دائرتي لا أحصل إلا على أصوات قليلة جداً نظراً لطغيان الوعي الديني (الذي أسميه أنا الحس الديني).

قد يتسرع البعض ويضفي على صديقي صفة “المنافق”. إني أعرف جيداً صديقي وأعرف مدى صدقه وصدق “نضاليته”. ما يترجمه صديقي، في مجال الحياة اليومية كما في مجال الحياة السياسية، ما هو إلا صورة مصغرة ومتفردة لعودة الحس الديني، حيث يلعب “المقدس” (حب الإنسان، “الضعيف”، لأخيه الإنسان، عبر حبه لله، “القوي”) وحيث يعجز “المدنس” عن تحقيق الحب المطلق من خلال “العقل” والإرادة والعمل.

العلاقة بين المقدس والمدنس، وإن كانت لصيقة بحياة وحضارة البشر، فهي علاقة لم تكن أبداً علاقة متكافئة. أحياناً يتمكن البشر من تطوير منظومات تمكنهم من تحقيق توازن الحب فيما بينهم (مثال الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والحريات الفردية) دون اللجوء بالضرورة إلى سطلة المقدس (الله وخليفته في أرضه)، وأحياناً يعجز عن ذلك ويحضر المقدس بكل ثقله (الله وخليفته). في نظري، نحن كمجتمع مغربي، نتموقع في الحالة الثانية، وهو ما يفسر، ليس فقط عودة الحس الديني بكثافة، وإنما أيضا ارتباط هذا الحس بالفعل السياسي الذي يصنف، شكليا على الأقل، خارج المنظومة الدينية.

“تكثيف الحس الديني في رمضان لا يهم المتدين فقط، ولا يهم “الإنسان السياسي” فقط …بل يهم جميع الشرائح الاجتماعية”

وللحس الديني أبعاد حسب مستوى مخافة الله (اليهود والمسلمون) أو حب الله (المسيحيون بالخصوص، ولكن أيضا اليهود والمسلمون). ما يمكن أن يلاحظ، مغربياً على الأقل، هو أن الحس الديني يضمحل ويتكاثف حسب بعدنا أو قربنا من الدائرة العمومية: فكلما كانت طقوسنا محصورة في دائرة فردية (كالصلاة والزكاة وترك الممنوعات) كلما اضمحل حسنا الديني (قد لا نصلي مثلا، وقد نقوم بالممنوعات كشرب الخمر أو التمتع بأجساد نساء ليست “حل” لنا)؛ وكلما كانت طقوسنا أكثر عمومية وأكثر “اجتماعية”، أي أكثر حضوراً في وسط الجماعة (كالصوم في رمضان بالخصوص)، كلما تكاثف حسنا الديني. في رمضان يسجل “المسلم المغربي” بامتياز، تقليدياً كان أم حداثياً، يسارياً أم يمينياً، متديناً أم علمانياً، يسجل انخراطه “السياسي” في محاولة “حب” الآخر عبر التعبير عن حبه لله أو مخافته منه، أو عبر تظاهره بذلك. وسواء كان السلوك صادقاً أم لا، فالحس الديني يفرض نفسه بكل ثقله.

تكثيف الحس الديني في رمضان لا يهم المتدين فقط، ولا يهم “الإنسان السياسي” فقط (الذي هو في نفس الوقت “إنسان المقهى”)، بل يهم جميع الشرائح الاجتماعية: فحتى مدمنو الحانات خلال ال11 شهراً خارج رمضان، وحتى مؤجرات أجسادهن طيلة ال11 شهراً خارج رمضان، هم أكثر الناس تمسكاً بطقوس رمضان. وعندما يحاول أن يغرد أحد خارج السرب ويجرأ على الأكل خلال النهار في رمضان، فإنه يعرف أن ما يقوم به ليس حرية فردية، وإنما نشاز يعاقب عليه المجتمع قبل القانون. وإذا كان “وكال رمضان” امرأة، فإن العقوبة تتضاعف: للمرأة مثل حظ الذكرين!

في لحظات مخاض بطيئة وعسيرة لانتقال المجتمعات في أفق تدبير “الشأن العام” خارج سطوة الدين (أي خارج سلطة خليفة الله)، فإن “الحس الديني” يفرض عودة التدين كشكل من أشكال تدبير “حبنا المقنع” للناس، حب يتكاثف خلال شهر رمضان (من خلال التعبد أو توزيع القفات)، ويضمحل إلى درجاته الدنيا خلال بقية السنة

*ينشر باتفاق مع الكاتب.

Comments

comments