اليوم الحادي عشر: دراما العنف اللفظي

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

مشاهد العنف في رمضان أصبحت مألوفة حتى أن بعض المغاربة استبطنوها في ثقافتهم وأطلقوا عليها عبارة “الترمضين”. في الواقع، مشاهد العنف اليومية هي ظاهرة تمثل جزءاً من حياتنا، سواء خلال شهر رمضان أو خارجه. فقط مع الصيام تتخذ بعداً ربما أكثر حدة من الأيام العادية.

بالأمس ركبت طاكسيا في عز النهار حيث الحرارة كانت في أعلى درجاتها. أمام سائق الطاكسي كان يسير مواطن آخر على متن دراجة نارية ووراءه، على نفس الدراجة النارية، مواطن آخر. كلا الراكبين على الدراجة لم يكونا يحملان خوذة الوقاية. كان سائق الدراجة يسير ببطء وسط الطريق. كون سائق الدراجة النارية كان يسير ببطء وسط الطريق أغضب سائق الطاكسي، وكما على بالكم فسائقو الطاكسيات عندنا ينافسون يوميا المولعين بسباق السيارات ويعتبرون “قانون السير” بدعة ينبغي أن تحارب. ضغط سائق الطاكسي بقوة على الكلاكسون مرة، ثم أخرى، ثم أخرى. سائق الدراجة النارية كان “بكم عمي”. وفي لحظة غضب شديد، ضغط سائق الطاكسي بقوة على دواسة السرعة لتجاوز الدراجة النارية ثم بعدها وقف. بسرعة البرق نشبت معركة كلامية بين السائقين استعملا فيها جميع مفردات “الواد الحار”. وعندما استنفدا رصاصاتهما الكلامية النارية، ذهب كل واحد إلى سبيله!

“العنف واحد مهما تعدد شكله ومهما كانت ظروف إنتاجه!”

اليوم يوم أحد. إنه رسمياً يوم عطلة، ولكنه في شهر رمضان هو شبيه لكل أيام الشهر. كنت جالسا في شقتي أقرأ تطورات الأحداث الأخيرة: الهجوم الهمجي على منتجع سوسة بتونس، تطورات قضية المغربيتين “المخالفتين للآداب العامة”، إلخ. في الشقة التي أسكنها يسود هدوء رائع. فجأة سمعت أصواتا بشرية تتعالى، معركة صوتية صاخبة تصم الآذان. أطللت من على شرفتي. كان المنظر مقززاً: مواطنان يتناطحان شفوياً، مستعملان لنفس مفردات “القادوس” التي تحملت سماعها بالأمس، ويداهما تكادان تشتبكان لولا ترددهما الدرامي. لم يدم المشهد طويلا. لقد تطوع بعض المواطنين لتهدئة “الخواطر” واستطاع أن يقنع المتخاصمين من تقبيل جبهة بعضهما البعض. سبب هذه المعركة كان اصطداماً مرورياً بسيطاً غابت عنه الدولة وغاب “التأمين” وحضرت شريعة الغاب: الصياح!

هذا مشهد درامي تعودناه في حياتنا اليومية على مدار السنة. فقط في شهر رمضان يبدو أنه يقلقنا أكثر، لأننا لاشعورياً، نربط هذا الشهر بأخلاقيات معينة: أخلاقيات نفتقدها أصلا. إن سلوكنا كمواطنين، عندما لا نعترف لا بالدولة ولا بالقانون إلا عندما يقف على رأسنا الشرطي، فمن المستبعد أن نستحضر الأخلاق التي تجعلنا نعترف بالجار وبالمواطن، قبل السائح والغريب.

الصوم مناسبة لتطهير الروح قبل الجسد. ولكن عندما يتعلق الأمر بتمجيد العنف، شعوريا أو لاشعوريا، من باب المصالح أو من باب الإيديولوجيا، من باب القومية أو من باب الدين، فلا شك أن العنف سيؤطر لحظات سلوكنا المنفلت، وسينعكس حتماً، سواء في شكل معركة كلامية حامية الوطيس تنبعث منها رائحة “القواديس” كما شهدت على ذلك بالأمس واليوم، وقبلها في ساحة البرلمان المغربي، أو في عويل سلفيين عند مشاهدتهم لنساء يلبس تنورة لم يصادقوا عليها في مركز تصديقهم، أو في المتاجرة في أغذية منتهية الصلاحية لتحقيق الربح الدنيوي والأخروي، أو في استفادة بعض الوزراء والبرلمانيين من معاش على حساب غالبية المواطنات والمواطنين.

العنف واحد مهما تعدد شكله ومهما كانت ظروف إنتاجه!

*ينشر باتفاق مسبق مع الكاتب

Comments

comments