اليوم العاشر: أكرمونا بمرحاض لائق رجاء

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

حرارة الجو ازدادت عن أمس هنا في فاس. أشعة الشمس تلسع وجهي وهبوب رياح جافة وحارة تثقل خطاي، ومع ذلك فلي موعد مع طلبتي هذا الصباح. كان اللقاء فرديا هذا اليوم حيث خصصت نصف ساعة لكل واحد منهم وهم خمسة في المجموع. لم يكن طلبتي نشطين مرتاحين كما عهدت ذلك فيهم. نصف الساعة المخصص لهم تباطأ أكثر من المعهود. تكوّن لدي انطباع بأن اللقاء لن يكون مفيدا كما لو كان في مناسبة أخرى، فشدة القيض تشل الخلايا العصبية ولا تسمح باستعمال القدرات المخية إلا بنزر قليل.

كان موعدي مع الطلبة في قاعة صغيرة في زاوية متوارية تصلح كمكتب لما نسميه هنا بمختبر التنمية الاجتماعية. القاعة مغبرة (بالمعني العربي والمعنى الدارج معا) ومقتنياتها مبعثرة هنا وهناك. في فصل الشتاء تقشعر هنا جلودنا وتتراقص أرجلنا من شدة البرد. ومع اقترب شهر يونيو ويوليوز تتحول القاعة إلى فرن تحترق فيه خلايانا العصبية المسؤولة عن إنتاج الفكر والمعرفة.

“ليست الطبيعة وحدها هي التي تقهرنا، نحن الأساتذة، في مثل هذه الظروف، بل أيضا إرادة المؤسسة”

أصدقائي، في مثل هذه الظروف يصعب على مخ المرسل أن يرسل إشاراته إلى شفاهه، ويصعب على مخ المتلقي أن يحلل الشفرات التي تحولها مطرقة أذنيه إلى خلايا المخ. هذه هي الظروف التي نشتغل فيها نحن الجامعيون المغاربة، الجامعيون العموميون طبعا!

ستقولون لي كان من المفروض أن توفر لنا الجامعة قاعات مكيفة الهواء صيفا وشتاء، إذ الضرورة الجغرافية لمدينة فاس تفترض ذلك. لا شيء من هذا. بل الأدهى والأمر أن هذه الظروف، عندما تصادف شهر رمضان، تتحول فيها المعاناة إلى معاناة مضاعفة. فشدة الحرارة لا تعطل الخلايا العصبية فقط، بل غالبا ما تساهم في جفاف الجلد، خصوصا جفاف الشفاه التي هي جزء من رأسمال الأستاذ. الشفاه هنا ليست وسيلة لتحقيق اللذة، إنها أداة لإيصال المعرفة.

ليست الطبيعة وحدها هي التي تقهرنا، نحن الأساتذة، في مثل هذه الظروف، بل أيضا إرادة المؤسسة التي هي من إرادة الإنسان. فعندما يحس الأستاذ بضرورة التخلص من إكراهاته البيولوجية، لا يجد المكان اللائق، والذي نسميه المرحاض. في المؤسسة التي أشتغل فيها هناك مرحاض واحد للأساتذة. هذا المرحاض يتعطل في شهر رمضان لأنه بكل بساطة يوجد داخل قاعة الأساتذة، وقاعة الأساتذة تتعطل في رمضان!

شخصيا أعتبر مسألة المرحاض في غاية الأهمية، ذلك أن الحياة الطبيعية بما أنها تشترط الinput، فإنها بالضرورة تفترض الoutput. والمرحاض يعتبر مقياسا أساسيا لتقدم الإنسانية وتقدم الأمم. فعندما كانت شعوب أوروبا في القرون الوسطى تقضي حاجياتها البيولوجية في العراء كالحيوانات، كانت الحضارة الأندلسية تتميز بثقافة جد متطورة أعطت اهتماما خاصا للحمامات والمراحيض. أنظروا أين نحن الآن. يمكن أن أجزم لكم بأن مراحيض هذه الشعوب الشمالية هي الآن أنقى من حماماتنا ومن صالوناتنا! العجيب في الأمر أن أساتذتنا عندما يتألمون من شدة امتلاء مثانتهم ولا يجدون أين يفرغونها، يسجل على بعض المؤسسات الجامعية فائض في ميزانيتها السنوية يفوق أحيانا المليون درهما.

من العبث اختزال ظروف اشتغال الأساتذة في ظروف القهر الطبيعي والبيولوجي فقط، فهناك من الإكراهات ما لا يمكن حصره في مجرد خواطر. المهم أن كثيرا من الجامعيين المغاربة يستحقون ظروف عمل أحسن، خصوصا أنهم في الغالب يشتغلون كمناضلين من أجل ترقية الجامعة المغربية أكثر مما يشتغلون كمجرد أجراء. وطبعا فإن ظروف عملهم لها ثمن: جودة التلقين والبحث العلمي، وهو ما ينعكس سلبا على الطلبة، هؤلاء الطلبة، ومعهم الأساتذة، عندما تتوفر لهم ظروف أحسن، خارج بلدنا، يتميزون عالميا، وعندما يتميزون عالميا، تنادي عليهم الدولة لتكرمهم. أرجوكم، كرمونا نحن فقط بمرحاض لائق، والبقية نقوم بها دون الحاجة إلى تكريم.

Comments

comments