اليوم التاسع: المرأة.. ثنائية الحب والإهانة

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

الجو حار جدا اليوم. لقد تعدت درجة الحرارة 40. وبالرغم من أني لا أتحمل هذه الحرارة، كنت مرغما على الذهاب إلى الجامعة لتأطير ورشة حول تقنيات تحليل مضمون الخطاب في إطار سيمينار الدكتوراه. المتن الذي اشتغلنا عليه، 8 طلبة وأنا، من الساعة 11:30 إلى 15:00 يتعلق ب13 نصا حول الإجهاض نشرت مؤخرا في بعض المواقع الإلكترونية.

طبعا، من يقول الإجهاض يقول المرأة، فهي المعنية أولا وأخيرا. نعم، المرأة: موضوع حب الرجل، موضوع متعة الرجل. نعم، نحن الرجال نحبها ونهينها. نقدسها ونشيطنها. إنها ليست أصل السلالة فقط، كما تدافع عن ذلك نوال سعداوي، بل إنها أصل كل “بلية”، كما يرى جل الرجال! إنها أصل الخطيئة. تحمل الخطيئة في أحشائها، تختزل في “مهبل” هو مصدر لذة أثناء الدخول input، ومصدر ألم أثناء الخروج output. إنها مطلوبة حد الجنون، وممقوتة حد البهتان. جسدها ملك لنا، ليس لنا نحن الرجال كفحول فقط، بل نحن الرجال-المجتمع، نحن المجتمع. جسدها ليس ملكا لها. جسدها نحنطه، “نغبره” بالكلام الدارج. هي دمية.

“باسم الدين يحنط الرجال المرأة. وباسم الدين تحتل المرأة اليوم أمكنة وأزمنة هي من حكر الرجال تقليديا”

هي مومياء نغطيها بأجواخ كي نضفي هالة القدسية على احتكار المجتمع لجسدها. نبرز، نحن الرجال، متى شئنا، بعضا من جسدها، ونغطي، متى شينا البعض الآخر. ما نغطيه في الحقيقة هو هويتها. هويتها تكمن أصلا في وجهها. نعم، الوجه، فنحن لا نضع صورة الصدر أو الفخذ أو المؤخرة في بطقاقة التعريف! إن تغطية الوجه، أو “حجبه” عن الأنظار، نفي للهوية. إننا، نحن الرجال، ومعنا النساء المساندات لنا، لا ننفي هوية المرأة المتجلية في وجهها فقط، بل ننفي أيضا رشاقتها، جمالها، اندماجها في الطبيعة، حبها للحياة. ولأن المسألة كذلك، فنحن الرجال، ومعنا النساء المساندات لنا، نفرز في المجتمع، بإرادتنا، جزءا من النساء اللواتي نسحب عنهن قدسيتهن لنعترف لهن برشاقتهن وجمالهن واندماجهن في الطبيعة وحبهن للحياة. نحن الرجال، بقدر ما نحنط النساء ونغطيهن باجواخ، نصنع عالما خاصا بنا، عالم المجون الذي نصنعه بايدينا ونتمتع به، وفي نفس الوقت نضفي عليه سمة الممنوع والحرام!

ولأن ذكاء المرأة أرفع من غباء الرجال، فداخل واقعهن المحنط يخلقن عالمهن الخاص. أليس ذكاء وإغراء حواء هو سبب طرد آدم من “الجنة”؟ ألم تستول شهرزاد، بحكم ذكائها وتكوينها، على عقل شهريار؟ نعم، حنطونا، تقول النساء، ولكن داخل أجواخنا نخلق عالما لا تعرفوه أنتم الرجال. قدسونا أو شيطنونا، اخزنونا أو تاجروا بنا، فنحن نخلق عالمنا النقيض لعالمكم. تسموننا ساحرات عندما نحتكر المعرفة، مثلكم. تسموننا عاهرات عندما نلج عالم الحرية، مثلكم. تتهموننا “بتحرير الفروج” (عفوا، الصيغة ليست لي، إنها صيغة بعض الفقهاء) عندما نثور ضد نزواتكم الحيوانية، أيها الرجال!

باسم الدين يحنط الرجال المرأة. وباسم الدين تحتل المرأة اليوم أمكنة وأزمنة هي من حكر الرجال تقليديا. قبل بضع سنوات فقط لم تكن المرأة تهتم “بالتراويح”. الآن اكتشفت أن للدين سلطة ولا أحد يمكن أن يجادلها: إنها تخرج، وبالليل، نعم بالليل، إلى المسجد. وطبعا، فهي لا تحتل الفضاء الليلي في المسجد فقط، بل تحتل كل الأمكنة التي تمر منها، من الدار إلى المسجد، ومن المسجد إلى الشارع والحديقة… لا أحد من الرجال يستطيع أن يمنع المرأة من التحرر (دينيا)، فالرجل يعجز هنا عن نقض نفسه بنفسه. للأديان جينياليا رجالية، ولكن اليوم بدأت المرأة، تدريجيا، تنافس الرجل في هذه القلعة المحصنة.

وعندما نقول بأن المرأة بدأت تتحرر (دينيا)، فإنها أيضا تتحرر لادينيا، إذ اللادين ما هو إلا الوجه الآخر المكمل، النقيض. فكما يسمح الرجل بارتداء عباءة بيضاء، شبه شفافة، وتحتها لا يلبس، في كثير من الأحيان، إلا “سليب” يرى بالعين المجردة. وكما يسمح الرجل بإدخال يده في جيب العباءة ليداعب “ذكره”، فالمرأة أيضا تتجرأ تدريجيا لتلبس، كما في الماضي القريب، سروالا أنيقا، أو تنورة تنزل أو ترتفع قليلا عن ركبتها، وتتفنن في تسريحة شعرها، لا لكي تستفزنا نحن الرجال، بل فقط لكي توجه لنا رسالة: نحن هنا، هويتنا نساء، جسدنا ملك لنا. وحتى نرتاح نحن الرجال، علينا أن ننظر إلى أعلى، وننسى الأسفل!

Comments

comments