اليوم الثامن: رمضان لتهذيب النفس أم للكسل؟

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

عندما نلاحظ تقلص حركة النقل إلى مستويات تصل حدود 50 في المائة، معنى ذلك أننا في عطلة. لكن المفارقة أننا تعودنا كيف تتحول العطل (الرسمية) إلى كابوس مخيف بالنسبة للمواطنات والمواطنين عندما يرغبن/يرغبون في التنقل (عطل نهاية الأسبوع، العطل المدرسية، عطل الأعياد “الدينية”، الخ. ). في رمضان يدخل المغاربة في عطلة خاصة!

“مقابل قيمة المجهود وقيمة العمل، التي تمثل أساس تربية المواطن، تنتعش قيمة الاتكالية وقيمة الاستغفال المسماة عندنا همزة!”

كل شيء يتعطل. الإدارات العمومية، المعطلة أصلا، تتعطل. حاول أن تنسى قضاء حاجياتك الإدارية خلال شهر رمضان. لنفترض المثال التالي: مواطن ينتقل لأغراض إدارية من وجدة أو الناظور إلى الرباط ليلا فيصل حوالي الساعة 5 أو 6 أو 7 صباحا. أحسن الإدارات خدمة للمواطنين تستقبل الناس مع الساعة 10:30 أو 11:00. ماذا عساه يفعل صاحبنا الوجدي أو الناظوري من الساعة 6:00 مثلا، إلى الساعة 10:30 أو 11:00؟ لا شك أنه سيتسكع في الشوارع، شبه ناعس، ما بين 4 إلى 5 ساعات في أحسن الأحوال. الزغبي لن يجد مكانا يستريح فيه. لن يجد جريدة يقرأها. لن يجد طاكسيا يقله. سيضطر إلى “إعدام” 4 إلى 5 ساعات من حياته لكي يضفر بمقابلة رئيس مصلحة في وزارة، هذا إن أسعفه الحظ طبعا!
هذا المثال يطرح إشكالا اقتصاديا وإشكالا ثقافيا. إشكال اقتصادي لأن شهر رمضان هو شهر الاستهلاك بامتياز. نستهلك القليل من منتوجاتنا والكثير من السلع المستوردة. إننا لا نستهلك فقط التمور الممزوجة بدماء أطفال غزة المهربة، بصفة مباشرة أو غير مباشرة من إسرائيل، إنما نستهلك أيضا، وفوق العادة، الثلاجات وأجهزة التلفزيون ذات الدقة العالية حتى لا تفوت نساؤنا مسلسلاتهن المفضلة، وتترك للرجال حرية التسمر في المقاهي أمام الشاشة الكبيرة!
اقتصاديا، يمكن أن نلغي احتساب شهر رمضان في الناتج القومي الخام. ولكم أن تقدروا مستوى الخسارة. لكن ما قد يهم أكثر هو هذا الارتباط الغريب لشهر رمضان بنبذ قيمة العمل على حساب لاقيمة الكسل. فإذا كانت الطبيعة، حسب المفكر الإنجليزي وليام بيتي* هي أم الثروة، والعمل هو أبوها، فإن جل المغاربة، ثلاثة قرون بعد وليام بيتي، يعتقدون أن الغش (في الامتحانات كما في المواد الاستهلاكية) والريع وتكنولوجيا الانتخابات المصنوعة في المغرب، هي أم وأب الثروة معا. علينا أن نعيد النظر إذن في الفكر الاقتصادي!
مقابل قيمة المجهود وقيمة العمل، التي تمثل أساس تربية المواطن، تنتعش قيمة الاتكالية وقيمة الاستغفال (المسماة عندنا همزة!). وحتى التسول، الذي أصبح في بلدي حرفة، يكاد يندثر من المشهد العام في رمضان. في الأيام العادية، أي خارج رمضان، أتعرض يوميا لمطاردة ما بين 10 إلى 30 متسولا، في الرباط كما في فاس. هذا الجيش من المتسولين هم أيضا يصيبهم فيروس “العجز” في رمضان (العجز بالدارجة، أي التكاسل بالعربية)!
هناك أمور لم أفهمها بعد. أعتقد أن الصيام، أي الامتناع (المؤقت) عن الأكل والشهوات، هو في الأصل ممارسة لتهذيب النفس وتطهيرها، وهذا لا يتناقض مع العمل الذي هو أيضا رياضة لتهذيب النفس وتطهيرها. إن أكثر الفلسفات المبنية على فكرة تطهير النفس هي فلسفة بوذا وكونفوشيوس. أنظروا كيف يمجد الصينيون واليابانيون والكوريون قيمة العمل، مع التزامهم بطقوسهم الموروثة وبدون إكراه.
* William Petty: عالم إنجليزي عاش في القرن السابع عشر

Comments

comments