اليوم السادس: الحداثة وعقلية الحريرة

  • 0
قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

رحلتي اليوم عكسية. أمتطي القطار من الرباط إلى فاس. كعادتي أحاول أن أضبط الوقت ولا أضيعه. خرجت من الدار 30 دقيقة قبل الوقت المحدد لانطلاق القطار. لم تكن معي النقود الكافية للسفر وتوجهت إلى أقرب شباك أوتوماتيكي للبنك الذي أسكنت فيه حسابي كموظف.

كالعادة، الشباك الأوتوماتيكي لبنكي معطل. قصدت شباكا ثانيا على بعد بعض مئات الأمتار فوجدته هو أيضا معطلا. قصدت الشباك الثالث لنفس البنك وكان حظي مرة أخرى متعثرا. كان علي في الأخير أن ألتجيء إلى شباك بنك آخر، غير بنكي، لأستخرج بعض النقود. تساءلت: كيف يمكن أن تكون حداثيا في مثل هذه الظروف؟ إن الحداثة وثوقية قبل كل شيء. تثق في الزمن كما تثق في الآلة التي تمدك بالنقود. لا، يبدو أن الشبابيك الأوتوماتيكية هنا، حينما تتوحد مع عقلية الحريرة، لا تسمح لك بالتحرر. عليك ان تخزن نقودك في دارك وتحملها معك دوما إذا كنت ترغب في تجنب الورطة.

“ينبغي الانتظار طويلا ليتساكن فينا المسلم المؤمن مع المواطن الحداثي المنتج”

وصلت المحطة متأخرا عن موعد انطلاق القطار الذي كنت أرغب السفر فيه. المحطة شبه فارغة من المسافرين. في الأيام (العادية)، يعتبر هذا الوقت وقت ذروة: صفوف طويلة أمام شبابيك بيع التذاكر وأرصفة القطار جد مزدحمة. المكان هادئ الآن. علينا أن ننتظر، أربعة مسافرين وأنا خامسهم، قدوم القطار القادم من مراكش بعد ساعة. لم أطق الانتظار على الرصيف. صعدت السلم الكهربائي وتوجهت إلى إحدى المقاهي (الدولية) الموجودة بالمحطة. المقهى شبه خالية إلا من مجموعة فتيات يبدو أنهن أجنبيات (يتكلمن إنجليزية أمريكا). أخذت مكاني لأتصفح الجرائد التي اقتنيتها للتو. بمجرد ما جلست، جاء النادل وسألني عن طلبيتي. اندهشت بادئ الأمر، إذ كيف يتجرأ على خدمتي ووقت الفطور ما يزال بعيدا. اعتذرت له بأدب، وقال لي، لا بأس أن تجلس حتى وإن كنت لا تستهلك، فأنت زبون معروف لدينا. تعجبت لأمر النادل ولكن سرعان من انتبهت إلى أن المقهى إيطالية وليست مغربية. إنها مقهى معولمة من نوع ال . قلت في نفسي ربما هذه المقهى المعولمة خارجة عن دائرة المساءلة من طرف حراس المعبد، وربما تناول كأس قهوة يمكن أن ينسيني محنة البحث عن شباك بنك أوتوماتيكي، لكنني بسرعة تذكرت المادة 222 من القانون الجنائي ويمكن أن أعرض نفسي للخطر. طبعا قوة القانون هنا أقوى من “ومن كان على سفر”. طبعا، القانون لا يعرف بأني قضيت نحو أربعين سنة أساهم قدر المستطاع في محاربة الجوع والفقر والتضامن مع الفقراء والمقصيين والمهمشين.

قصتي مع الشباك الأوتوماتيكي والمقهى المعولم يطرحان مسألة الحداثة بشدة، وعلاقتها برمضان. فمن جهة، نجد شهر رمضان يدخل ضمن قدسية المسلم المؤمن، وبالتالي، ما دام الأمر يتعلق بعقيدة، فمن حق المسلم المؤمن أن يتمتع بحريته في ممارسة عقيدته. ولكن، من جهة أخرى، نرى كيف أن هذه القدسية تتناقض كلية مع إكراهات الحداثة: سيطرة التقنيات في تدبير الحياة اليومية، اقتصاديات الزمن، تحقيق مزيد من فعالية الإنتاج، البرمجة الدقيقة لتدبير حركية المجتمع. كيف إذن يمكن أن نتساكن مع الحداثة ونحن ننام شهرا كاملا: ننام، بمعنى الكلمة أحيانا، وننام يقضين أحيانا أخرى. الزمن حركة، والحركة في رمضان تتوقف. قطارات “موسح” التي تعج بالمسافرين طيلة 11 شهرا هي الآن “تصفر”. إدارة “موسح” قلصت من ربع إلى نصف عدد قطاراتها المتحركة حسب الخطوط. الإدارات العمومية، التي تشتغل عموما نصف الوقت المخصص لها أثناء الأيام العادية هي شبه معطلة الآن. لا معنى للوقت هنا. لا معنى للإنتاج هنا، ما دمنا نتخصص في الاستهلاك، في هذا الشهر المقدس بحكم قانون الدولة، وبحكم قناعة غالبية المجتمع.

أمامنا وقت طويل لكي نميز بين اختياراتنا العقائدية، وبين ضرورة ركب زمن اقتصاديات الوقت. ينبغي الانتظار طويلا ليتساكن فينا المسلم المؤمن مع المواطن الحداثي المنتج.

Comments

comments