اليوم الخامس: الإيمان بقوة القانون

  • 0

اليوم 22 يونيو 2015. مرت 90 سنة على دحر ثورة الريف بتحالف القوتين المستعمرتين للمغرب: إسبانيا وفرنسا. ما بين مغرب 90 سنة إلى الخلف ومغرب اليوم مسافة تقترب من قرن من الزمن. الناس في تلك الفترة كانوا لا شك يصومون ويؤدون واجبهم الديني. من ثورة الريف إلى أحلام يسار السبعينات كان الدين ديناً والثقافة ثقافة والمجتمع مجتمعاً. لم يكن هناك خلط. من أراد أن يصوم، يصوم، ومن أراد أن يأكل، يأكل. المجتمع كله كان يترجم إلى الواقع، بوعي أو بدون وعي، فكرة “لا إكراه في الدين”. الدين عقيدة، والعقيدة إيمان. أن يفرض المرء العقيدة والإيمان بقوة القانون أمر لم يكن يخطر على بال.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

في مغرب اليوم، باسم الدفاع عن القيم، تلغى قيمة الحرية، ومعها تلغى قيمة العقيدة والإيمان. باسم هيكلة الحقل الديني يصبح المجتمع ديناً وعقيدة. تسييس العقيدة تحول إلى سيف ذي حدين: نضبط الدين (سياسياً) ونسيس المجتمع (دينياً). أنت تولد مسلماً ولم تختر أن تكون مسلماً، وبما أن الأمر كذلك، فأنت مطالب، شرعاً وقانوناً، أن تخضع لأوامر الدولة. ما تسميه حرية فردية مسألة خطيرة لأنها تزحزح عقيدة المسلم. يبدو أن المسلم يعجز عن تحصين نفسه وكيف إذن يمكن أن يكون تقياً ورعاً؟!

في هذه الأيام “المباركة” تحاكم شابتان بتهمة “ارتدائهما لباسا صيفيا غير لائق”. كما تم اعتقال موظفة بأكاديمية الرباط للتربية والتكوين لتسريبها مكالمات هاتفية لمسؤول كبير تتضمن فضائح حول طريقة تدبير ملايير الدراهم التي رصدت لصفقات البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم. هل المرأة تؤدي اليوم ثمن التعبير عن حقيقة غير حقيقة الأخلاق المفروضة باسم الدين، مع العلم أن الدين عقيدة، والأخلاق أعظم وأعم من العقيدة؟ أم أنها تعتقل لكي لا نتشكك في “أخلاقيات” الساهرين على تدبير المال العام التي يستمدونها من عقيدة يخافون على زحزحتها؟

أفهم من الحدثين أن الدولة تتدخل في تحديد نوعية الملابس التي ينبغي على المرأة أن تلبسها وتتدخل في نشر الحقيقة. في الحالة الثانية، عندما تقول الدولة بأن المخطط الاستعجالي فشل، فطبعاً لا يعني ذلك محاسبة المسؤولين عن الفشل، ولكن عندما تسرب موظفة معلومات خطيرة عن سبب الفشل، فذلك سلوك خطير قد يزحزح قناعاتنا وأخلاقياتنا.

بالأمس تسرب فيديو عن مواطن مؤمن بالسليقة توجه إلى أقرب مسجد لأداء فريضة الصلاة وقد ترك شاحنته المحملة بالدلاح. عندما أتم واجبه الديني ورجع إلى الشاحنة، وجد إخوته في الإسلام قد أتوا على شحنة الدلاح بأكملها. منظر نهب الدلاح كان مرعباً. هنا نتساءل: من يزحزح عقيدة المسلم، الفتاتان اللتان لبستا فساتين كانت في مغرب مسلمي الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي عادية؟ أم المواطنون (الغيورون جدا على عقيدتهم) الذين قاموا بنهب شاحنة الدلاح في واضحة النهار؟

في بلدي ألاحظ تحولات خطيرة في اتجاه تحديد حريتنا على أساس مقاسات سلطات تنهبنا يومياً: تنهب أجورنا وتنهب ضرائبنا وتنهب كرامتنا وتنهب حرياتنا. نحن هنا بصدد الحديث عن شكل ملابس النساء فقط، ولسنا بصدد الاعتراف بحق من يريد أن يصوم أو لا يصوم عن الأكل في رمضان. إن رمضان مقدس، بل الزمن هو المقدس: زمن رمضان. أكثر من قدسية الدين، هناك قدسية مجتمع مخدوم على أساس أن لا ثقافة تعلو على ثقافة الدين.

في زمن غير زمن “هيكلة الحقل الديني” لم يكن الصيام إلا شأناً شخصياً، كما أن ملابس المرأة لم تكن إلا شأناً شخصياً. أتذكر عندما كنت صغيراً كيف أن نساء القرية كن يحكين فيما بينهن قصة رجل كان يأكل في رمضان، وعندما وصل الخبر إلى زوجة وأم الرجل الذي لا يصوم، قالت الأم لجاراتهن: إن ولدي مريض، وبذلك وضعت حدا لشكوك نساء القرية. الرجل الذي لا يصوم كان موضوع النساء فقط، أما الرجال فقد تجاهلوا الأمر بكل بساطة! ما أتذكره أيضاً هو أن هذا الرجل لم يصم أبدا في حياته. لقد كان يمرض دائماً في رمضان! في ذلك الوقت لم تكن في القرية سلطة تحدد قياساً “لحشومية” لباس المرأة ولا قياساً لمرض غير الصائم ولا قياساً لزعزعة عقيدة مسلم. كانوا كلهم مسلمون مسالمون!

*ينشر باتفاق مع الكاتب

Comments

comments