اليوم الثالث: الصيام أكثر من طقس ديني.. إنه شيء آخر

  • 0

اليوم سبت. كعادتي كل أسبوع أمتطي القطار من فاس إلى الرباط. لا أقول أعود إلى الرباط لأن الرحل، مثلي، ينتقلون فقط ولا يعرفون هل يذهبون أم يعودون. مسألة العودة مرتبطة بالملكية، والذين لا يملكون، تماما كالرحل، لا تنسحب عليهم مسألة الذهاب أو الإياب. إنهم ينتقلون فقط.

قيس مرزوق الورياشي أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

قيس مرزوق الورياشي
أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع

الساعة تشير إلى 15:30. عشرة دقائق فقط تفصلنا عن موعد انطلاق قطار الدار البيضاء للمسافرين. المنظر اليوم مغاير تماما لما ألفته طوال السنة: طابور من البشر ينتظر دوره لشراء تذكرة السفر، يقفون مصطفين مثنى مثنى ولا يكسر انتظامهم غير غفلة من حارس الصف، إذ نحن المغاربة ما زلنا محتاجين إلى حراس ينظمون اصطفافنا.

اليوم مدة الانتظار في درجة الصفر. تصل وتتجه مباشرة إلى شباك التذاكر المفتوح. الحارس اختفى إذ أن “موسح” ليست في حاجة إليه. لكن ما استرعى انتباهي هو وجود خمسة شبابيك مفتوحة للعموم. لقد عودتنا “موسح” على فتح أكثر من 5 شبابيك عندما يكون الزبناء معدودين على رؤوس الأصابع، بينما تحتفظ بشباكين أو ثلاثة فقط عندما يكون هناك عشرات الزبناء المتكدسين بعضهم فوق بعض، تماما كما عودتنا على تبريد العربات في فصل الشتاء وتسخينها في فصل الصيف!

انطلق القطار في وقته بالضبط، تماما كما في ألمانيا! العربات شبه خالية من البشر. أحس براحة نادرا ما أحسست بها. في المقصورة رقم 7، نحن أربعة مسافرين: مغربيان (امرأة شابة وأنا) وسائحان أجنبيان في الستينات أو السبعينات من العمر.

عربة المشروبات والمأكولات غابت من مشهد القطار فنحن في شهر الصيام، والصوم في هذا البلد ليس فقط طقسا من الطقوس الدينية، إنه أمر دولتي ومجتمعي ينبغي أن ينفذه الجميع، وحتى السياح الأجانب، الذين نفترض أنهم غير مسلمين حتى وإن أشهروا إسلامهم أكثر من بعض المغاربة، لا يحق لهم شرب ماء أو أكل ساندويش، فهم عندما يزورون المغرب، يقتنون أولا مرشدا سياحيا (كتاب) يقدم معلومات عملية منها واجب احترام عادات وتقاليد البلد، ومنها عادة الصيام.

عفوا، قلت عادة الصيام. لا إنه واجب ديني. لكن نفس الواجب، من منظور ديني، يستثني غير المسلمين، بل وأكثر من ذلك، يستثني من كان على سفر، ومن كان مريضا، والمرأة في عادتها الشهرية… هذه الاستثناءات موجودة في الدين فقط، وللدولة وبعض المجتمع رأي آخر: الويل للمسافر الذي تجرأ على “جغمة” ماء، أو أكل تفاحة، إذ سيعتبر الآخرون ذلك بمثابة استفزاز! إن الصيام أكثر من طقس ديني، إنه شيء آخر. الدين قناعة وإيمان، لكنه هنا شيء آخر، إنه أمر حكومي ومجتمعي، ومن خالف ذلك فله عقاب. نحن هنا لا نعاقب من هو مسؤول على تجويع الفقراء طيلة السنة، نعاقب فقط من يتجرأ ويعتقد بأن الصوم عقيدة وليست أمراً.

في القطار أيضا جو رمضاني. لا أحد يأكل وإن كان على سفر. بل ولا أحد يتكلم. السائحان الأجنبيان ضرباها بنعسة. فقط الأمعاء تتكلم والرائحة الكريهة جدا التي تنبعث من فم المرأة الجالسة بجنبي.

يعلن مكبر القطار دخول القطار إلى محطة الرباط المدينة. يصل القطار في الوقت المبرمج له بالضبط كما في اليابان! على الأقل هذه من المرات النادرة جدا التي يكون فيها القطار مضبوطا.

أنزل من القطار. تركت ورائي السائحين يغطان في نومهما، ولكن رائحة الفم الكريهة للجالسة بجنبي ما تزال تطاردني!

*ينشر باتفاق مع الكانت

Comments

comments