علي العبوتي: بوح ما بعد القصيدة

  • 0
علي العبوتي قاص شاب من الريف - المغرب

علي العبوتي
قاص شاب من الريف – المغرب

صفقوا أو لا تصفقوا.. لا يهم، فأنا قد أنهيت إلقاء قصيدتي، وأتممت دَيْني الذي تدينه لي هذه القاعة المكيفة.. هل سيخسر نصي وزنه إذا لم تصفقوا؟.. طبعا لا، حتى وإن لم تستمعوا لن يخسر شيئا..

أنت؟ نعم أنت الجالس في المقعد الأول، لن تغالطني بجلستك المتأنقة، ولن أفهم من إسناد ذقنك على كفك أنك منتبه لما أقوله الآن.. أنت ساهٍ وتفكيرك مسرح في مناطق بعيدة جدا من هنا، لا نستطيع الوصول إليها بواسطة أحدث وسائل التنقل، لكنكَ بلغتها في ثواني قليلة خلال إلقائي..

وأنت الذي تـقف قرب الخشبة.. أنا أعرفك جيدا، ولن توهمني بآلة تصويرك التي أتعبت عيناي بِفْلاشاتها الساطعة.. أنت حفظت عنوان قصيدتي فقط لتورده في تقرير جريدتك.. اسمعني جيدا: أنت تكتب في الجرائد لكنك لست صُحفيا..

أما أنتِ الجالسة في أقصى اليمين في الصف الثاني.. أنا لا أعرفك، ولقد كذبتُ حين التقينا في الباحة قبل بداية العرض وقلتُ إني أتذكرك.. فعلت ذلك لأنك كنتِ مصرة على أننا تحادثنا في موقع التواصل الاجتماعي.. وعلى الأرجح فأنا لست كما تتصورينني.. أنا أعيش كما يعيش كل شاب في الثانية والعشرين من عمره وسط مدينة فيها ميناء واحد بدأت السلطات في تخريبه، وجبال دكتها أرجل التائهين، وشطآن عارية وأخرى مكسوة بغابات بدأت نفس السلطات في تقطيع أشجارها: أعربد في الأزقة ولا أتكيف مع عمل واحد، أريد كل شيء ولا أريد شيئا في نفس الوقت.

أقيم علاقات غرامية عديدة، لكني ما زلت متعلقا بحبي الأول… لذا لا تصدقي بوح شعري أرجوك، وأنا مستعد أن أحذفك من لائحة أصدقائي في عالم التواصل الأزرق كي لا تقعي في حبي، فقط أطلعيني على الاسم الذي تتواصلين به هناك!

وأنت يا أشعث الشعر الذي ينظر إليّ باهتمام.. أنت تنتظر دورك لإلقاء قصيدتك ليس إلا.. أرجوك لا تكلف نفسك مجددا بنسج القوافي لأنها ليست مهمة.. إن الأهم هو أن تكون حرا في حياتك.. لا تهمس في أذن منشط الأمسية وتقول بأني أضيع الوقت في هذا الكلام الفارغ.. أنا أسمعك ولو أنك بعيد عني.. أسمعك حتى وإن لم تتفوه بكلمة واحدة، وإلا فلماذا أنا كاتب؟ أليس لأسمع ما لا يقوله الناس؟

أيها الحضور البئيس الذي حج إلى هذه القاعة ليستمع إلى الشعر.. ما أتعسكم.. تركتم بيوتكم، مقاهيكم، أعمالكم، مشاغلكم ومشاكلكم… وأتيتم إلى هنا لتبحثوا عن العزاء في بعض الكلمات.. أنا شخصيا لا أكتب لأداوي جروح الناس، بل أعبر عن جروحي لهم كي لا يدوسوها عن غير قصد، لأنهم عميان..

لماذا يصر منظمو هذه الأمسية على وضع قنينة ماء أمام الشاعر؟ من قال لكم أني أشرب الماء حين ألقي الشعر؟ أنا مضطر لأخبركم بأني تناولت وجبة مليئة بالإدام قبل مجيئي إلى هنا.. أكلت لحما مشحما.. لحم خروف عجوز.. وشربت كوبين من اللبن.. وهذا يعني أني لست في حاجة إلى مائكم.. خذوه عني وانصرفوا إلى كواليسكم.. يكفيني هذا الكلام لأرتوي وأستمر في النسيان.

خطوط عربية

خطوط عربية

مهلا.. مهلا أنت الداخلة من الباب لتوِّك.. توقفي وأنصتي لما سأقوله لك.. أتعرفين أني حاولت أن أدعوك للحديث مرات عديدة ولم أفلح؟ كنت أتهافت على علبة الدردشة وأسأل: ما جديدك؟.. كيف حالك؟ كيف مر يومك؟… لا تعتقدي أني كنت مهتما بالحصول على الإجابات، بل كنت أجذبك بالكلام إلى الكلام، كما جذبني جمالك لما رأيتك آخر مرة! كنت أريد أن أجذبك أيضا بكلامي، لنقترب من بعضنا البعض.. لكنك دائما كنت متعنتة وتجيبنني باقتضاب شديد.. اليوم لن أسألك تلك الأسئلة. سأذكرك بشيء واحد: إذا قررت التحدث معي – وهذا ما ستفعلينه بكل تأكيد ليلة هذا اليوم – لا تنزعجي بعدما أترك رسائلك بلا إجابات.

يا معشر الحاضرين سأحكي لكم قصة من وحي الخيال.. سأرتجل نصها أمامكم مباشرة:

”لما خرجت من باب المنزل اكتشفت أن لا باب فيه! لم أفكر في مصيره، بل وقفت مذهولا أتساءل عما كان ليحدث لو أن الباب كان موجودا؟ أين كنتُ سأكون في هذه اللحظة؟ لقد نزلت درج السلالم وخرجت كأن غياب الباب أمر تعودت عليه.. لم أشعر بهذا التغير إلا عندما تجاوزت العتبة.. لماذا لم أنتبه وأنا في الداخل؟

هذه الأسئلة جعلتني أقتعد كرسيا خشبيا عند دكانيّ الحي وأفكر: ربما كنت سأكون في الداخل الآن أبحث عن طريقة لفتح الباب.. أو ربما كنت سأعود إلى فراشي ملغيا كل ما عليّ فعله اليوم.. هذا محتمل، لكن لماذا لم أنتبه لغياب الباب وأنا في الداخل؟

جاءني الدكانيّ متسائلا:

– لماذا فتحت باب منزلك على مصراعه ولم تغلقه يا شاعرنا؟!”

حسنا.. حسنا. صفقوا الآن كما يحلو لكم.. أنا أعرف نواياكم جيدا.. سأنزل الآن وأذهب مباشرة، لكن تأكدوا أني سأعود لأسرد قصة أخرى أكثر عمقا هذه المرة.

Comments

comments