هولندا تحارب التطرف الإسلامي بغلق أبوابها أمام “أئمة الكراهية”

  • 0
حليم المذكوري باحث هولندي مغربي في شؤون الدين والدولة والتطرف

حليم المذكوري
باحث هولندي مغربي في شؤون الدين والدولة والتطرف

حليم المذكوري*- من يحمي المغاربة من “تجار الموت”؟

لوائح سوداء .. أية مقاييس؟

آخر الصيحات في المعركة ضد ما يسمى بالتطرف الإسلامي في هولندا هو وضع لوائح سوداء بأسماء دعاة يٌعتقد بأنهم يشكلون خطرا على أمن وسلامة الدولة والمجتمع. وكما يحدث غالبا عند الإعلان عن مثل هذه الصيحات، بدأت جهات مختلفة، إسلامية وغير إسلامية، في منافسة بعضها البعض لإنتاج أفضل اللوائح.

سبب هذه الصيحة هو تراكم تقارير صحفية حول سلسلة من ’المهرجانات الدينية‘ التي يُستدعى إليها دعاة شرق أوسطيين غير مرغوب فيهم، أو من يُطلق عليهم في التداول الإعلامي والسياسي: “أئمة الكراهية”. ردود الفعل المذعورة التي شهدناها في الأسابيع الأخيرة بعد أن كتبت الصحافة حول تلك ’المهرجانات الدينية‘، يدل على تذبذب سياسات مكافحة التطرف التي تشارك فيها ست وزارات على الأقل، والعديد من المصالح (الأمنية) الأخرى. عشرات، إن لم نقل المئات من موظفي الدولة وعدد لا يحصى من المهنيين والتقنيين في جميع أنحاء البلاد، يعملون ليلا ونهارا من أجل نزع “شر التطرف الاسلامي” من جذوره.

فهل يمكن تحقيق هذا الهدف بوضع لوائح سوداء بأسماء دعاة وأئمة يشك في نواياهم؟ بالطبع لا! على العكس، لن يفاجئني الأمر إذا ساهمت مثل هذه اللوائح في تفاقم المشكل. ما هي المقاييس التي ستعتمد لوضع مثل هذه اللوائح؟ أي إمام أو داعية يُستثنى من هذه اللوائح؟ أهو الشيخ القرضاوي الذي ما فتئ ينادي مسلمي الغرب بالاندماج (السياسي) حيث يحصد التصفيق على مثل هذه النداءات، لكنه يصدر في نفس الوقت فتاوى في قضايا المساواة بين المواطنين تغضب الغرب؟ أو ذاك الداعية الذي يمجد الديمقراطية لأنها وسيلته نحو السلطة، لكن بمجرد التمكن منها، يحاول دفنها بشكل ديمقراطي! لأن الديمقراطية في نظره ما هي إلا أداة عددية وليست نمط حياة؟

وامعتصماه!!”

الجواب على هذه الأسئلة ليس بالسهل. وأنا واثق بأن منظمي ’المهرجانات الدينية‘ سيواصلون دعوة كل من وُضع اسمه في إحدى تلك اللوائح، مع يقينهم بأن السلطات الهولندية سترفض منح ’الضيف الممنوع‘ تأشيرة الدخول. ويكفي أن ترفض هولندا تقديم التأشيرة لدعاة وأئمة مسلمين بضع مرات فقط في السنة كي يقيم منظمو ’المهرجانات الدينية‘ الدنيا ولا يقعدوها. سوف ينادون جماعةً “وامعصتماه”! كما فعل بعض مسلمي الدانمارك الذين أشعلوا النار بين ذلك البلد وبقية المسلمين في العالم. سيشتكون من الغياب التام لحرية المسلمين الدينية، وسيكون من الصعب على هولندا إقناع “أصدقاءها المسلمين”، من حكام وغيرهم، بأن الأمر يختلف تماما عما يدعيه هؤلاء، وأن هولندا ليس لديها أدنى مشكل مع الإسلام…الخ.

“الإجراءات التي اتخذت لحد الآن، والتي كلفت ميزانية الدولة ملايين الأورو، لم تستطع إحداث نقطة تحول في نمو ظاهرة التطرف عند الشباب المسلم. ولا يزال عدد الشباب المتطرف في تزايد مستمر”

هؤلاء الحكام سيجدون أنفسهم، كل لأسباب تخصه، مجبرين للدفاع عن الإسلام. هنا تكمن المشكلة الحقيقية في نظري. المشكلة صراع داخلي ألم بدار الإسلام ولم يجد المسلمون له حلا بعد. صراع حول مستقبل كان يجب أن يتحقق في الماضي، لكنه لم يتعد حلما ما زال المسلمون يحاولون تحقيقه دون جدوى. لقد نجح علماء المسلمين في دورهم كرجال إطفاء في إطفاء حرائق كثيرة على مر العصور والأزمان، إلا أن السؤال المطروح هو إلى متى سيظل النجاح حليفهم؟ إننا نعيش في زمن تتابع فيه التطورات بوتيرة لم يعد بمقدور العقل البشري مجاراتها بنفس السرعة. أضف إلى ذلك أن العالم أصبح قرية يتفاعل فيها كل البشر مع بعضهم البعض، وأصبح من الصعب اعتبار المشاكل القائمة في جهة ما من العالم بأنها لا تخص الجهات الأخرى. جزء من الصراع المذكور هو المعركة القائمة حول ما يمكن تسميته بالإسلام الشعبي. إسلام الغالبية العظمى من المسلمين الذين يرون في دينهم الوسيلة الأمثل والطريق الأقصر للحصول على مرضاة الله والتقرب إليه، وغالبا ما أحدثت مؤسسات كثيرة يختلف حجمها لترشيد وتدعيم هذا التعامل العفوي والمسالم مع الإسلام.

الوهابية في مواجهة المد الشيعي

بعد ثورة الملالي الإيرانية في عام 1979 ركزت هذه المؤسسات (السنية) كل جهودها على مواجهة خطر التشيع. وقد ذهب الكثيرون إلى أبعد حد بحيث كسروا جدار “السد الوهابي” أملا في أن تجرف مياهه القوية خطر التشيع في أسرع وقت ممكن. وهكذا حدث أن “تسلفت” أطراف واسعة من الإسلام الشعبي. بعد الهجمات الإرهابية عام 2001 في أمريكا اضطرت أنظمة كثيرة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها القائمة على مواجهة التشيع بالمذهب الوهابي المتشدد، إلا أن السلفيين تمترسوا ورفضوا مغادرة الساحة. بدعم مالي كبير كثف السلفيون أنشطتهم ورفعوا من درجة تعبئة جميع مؤسساتهم التي أنشأوها في العقود السابقة. وهذا حدث أيضا في هولندا حيث استوطنت السلفية النجدية هذا البلد منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي.

وفي المقابل تغيب في هولندا المؤسسات التي يمكن لها أن تدعم الإسلام الشعبي، وبدلا من ذلك، يظهر من حين لآخر أشخاص يكتسبون بسهولة صفة إمام، ويقدمون تصريحات حادة في وسائل الإعلام، ثم يتوارون عن الأنظار. بعد الهجوم على مقر صحيفة “شارلي إيبدو”، ظهرت هنا وهناك مبادرات مختلفة أراد أصحابها الذين أصابهم الحرج مما حدث، إقناع المجتمع الهولندي بأنهم مختلفون وأنهم يُدينون الإرهاب باسم دينهم بقوة. إلا أن لا أحد تجرأ صراحة على إعلان الصراع ضد السلفية النجدية وما جاورها، والتي لها وبدون أدنى شك، أثر كبير في تفريخ مثل هذه الظواهر التي لا تهدد فقط أمن وسلامة العالم، بل والإسلام نفسه.

مسلمون محرجون

في الوقت الذي ينظم فيه السلفيون مهرجاناتهم الدينية في نفس القاعات التي تقام فيها الأعراس والحفلات الأهلية الأخرى، يلتجئ هؤلاء المسلمون الذين أصابهم الحرج، وبدعم من الحكومة الهولندية، إلى قاعات نخبوية لم يسمع بها المسلم العادي قط. وفي الوقت الذي يعمل فيه السلفيون بوعي وثقة نفس على تنفيذ أجندتهم الخاصة، ينفذ المسلمون الذين أصابهم الحرج، أجندة الآخر دون أن تكون لهم رؤية واضحة خاصة بهم. لقد انكفأوا في حرجهم وترددهم، وهذا في الحقيقة أمر لا يثير الاستغراب لكونهم الخاسر الأكبر في أية معركة مفتوحة مع السلفيين، بما في ذلك تهديد سلامتهم الشخصية. فهؤلاء المسلمون المحرجون هم الذين يتحملون تبعات الصورة السيئة للإسلام ومعتنقيه.

مؤخرا تسربت رسالة داخلية لرئيس الشرطة الوطنية الهولندية يندد فيها بالممارسات العنصرية ضد المسلمين العاملين داخل مؤسسته التي ينتظر منها أن تضع وبحزم حدا لكل أنواع الميز العنصري المُجرّم قانونا. في مقابل هذا يكاد لا يخسر السلفيون شيئا في أي صراع خاضوه أو خيض ضدهم. فهم يعتبرون الصراع ضد المجتمع انتصارا، لأنه يمكنهم “بأدلة إضافية” على أن العداء ليس موجها ضدهم فقط، ولكن ضد الإسلام والمسلمين عامة. وبعد ذلك يوصمون المسلمين الذين أصابهم الحرج كـ”متعاونين” مع أعداء الإسلام وبالتالي “مرتدين”. ويلاحظ عجز هؤلاء عن إيجاد الجواب المناسب، لا سياسيا ولا دينيا، لأنهم ببساطة لا يستطيعون التعامل مع النهج العدواني للسلفيين الذين يلصقون وصمة الردة على كل من اختلف معهم في الرأي، وبالتالي يجعلهم هدفا سهلا لكل مجنون يرى أن من واجبه تنفيذ “حكم الله”.

مكافحة نبتة التطرف

وعلى الرغم من أن هولندا اعتبرت السلفية في تقرير رسمي مصدرا للتشدد وأرضا خصبة للنبتة الجهادية، إلا أن الإجراءات المتخذة لم تتجاوز ما ذكرناه سابقا. إجراءات قد تؤدي، عن قصد أو غير قصد، إلى شد الخناق على الإسلام نفسه وعلى المسلمين عموما. وحينئذ سنكون قد ابتعدنا عن مكمن الحل بكثير مما قد يزيد الطين بلة. فالإجراءات التي اتخذت لحد الآن، والتي كلفت ميزانية الدولة ملايين الأورو، لم تستطع إحداث نقطة تحول في نمو ظاهرة التطرف عند الشباب المسلم. ولا يزال عدد الشباب المتطرف في تزايد مستمر. كما لم يتراجع عدد المغادرين إلى سوريا والعراق للالتحاق بعصابات “داعش” وأخواتها. وقد غادر حوالي 200 من الشباب والشابات للقتال في العراق وسوريا وأماكن أخرى، وقتل العشرات منهم في خضم الحرب الضارية أو لقيامهم بعمليات انتحارية.

يشكل الشباب المغاربة الغالبية العظمى من الذين التحقوا بتنظيم “داعش” أو إحدى أخواته. لم يستطع لا آباؤهم ولا الحكومة ولا المساجد من ثنيهم على قرار الموت الذي اتخذوه. وعلى الرغم من المستقبل الأفضل الذي ينتظرهم في هولندا، اختار هؤلاء الشباب الموت بعيدا عن الأقارب والأحباب، تاركين وراءهم أمهات ثكلى يمزقهن الحزن والأسى ولا من مُعين. معظم الشباب المغربي الذي غادر للانْضِمام للجماعات الإرهابية ينحدر من منطقتي الحسيمة وتازة في شمال المغرب، المنطقتين اللتين عرفتا انطلاق المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الإسباني في العشرينات من القرن الماضي. ويشكل هذا المنعرج الخطير في تاريخ الهجرة المغربية أكبر مأساة عرفتها الجالية المغربية في هولندا لحد الآن.

 

سماسرة الموت

الشباب المغربي مثله مثل الشباب الآخرين يستهلك الانترنت بنهم منقطع النظير. فهم في بحث دائم ومستديم عن هوية قوية ذات معنى تمكنهم من الإحساس بجدوى وجودهم. هوية يعتزون بها وتحميهم ضد الإخفاقات التي يواجهونها في حياتهم اليومية. في بحثهم هذا يلتقون ببائعي “صكوك الغفران” الجدد، يغرونهم بحور العين وجنات الخلد. إلا أن الانترنت فقط غير كافية لجر المئات من الشباب الى جهنم الصراع الطائفي في العراق والشام. هناك العديد من سماسرة الموت يحومون حول الشباب المغربي كما تحوم الضباع حول فريسة تائهة. وأغلبية هؤلاء السماسرة آتية من الشرق الأوسط أو من ينوب عنهم من زبانية تنتمي للمغرب بالجنسية. وبما أن الأئمة المغاربة ومساجدهم ليس لديهم القوة الكافية لدرء هذا الشر المحدق بأبناء المغاربة، فسيستمر سماسرة الموت في غرس مخالبهم العفنة في جسد الجالية المغربية المنهك.

في الماضي، اشتكى العديد من السياسيين والإداريين الهولنديين من الخطر الآتي من البلدان الأصلية. واليوم يجب على تلك البلدان أن تخشى الأسوأ، ذلك أن الشباب الذي نتحدث عنه هنا لن يتوانى في محاولة تحقيق “هدفه الأسمى والمقدس” في البلد الذي أرضع واحتضن آباءه وأجداده. لقد كان المغرب دائما قادرا على التغلب على العديد من التحديات التي واجهته في تاريخه المعاصر، واستطاع أن يخرج من كل أزمة مرت به سالما موفقا ومن الشر معصوما. ولكن هذا التحدي الديني الحالي لم يسبق للمغرب وأن واجهه من قبل.

لا مكان للحياد

عندما كان يتعلق الأمر بالأنشطة الإجرامية “العادية” للشباب المغربي بالديار الهولندية، رد بعض المسؤولين المغاربة بنوع من السخرية الممزوجة بالإحباط بأن الأمر يتعلق بشباب هولندي، وأن المغرب يرفض التدخل في الشؤون الداخلية لدول صديقة ذات سيادة مثل هولندا. إلا أن الحالة التي نحن بصدد مناقشتها هنا لا تطيق مثل هذا المنطق. فلقد أبانت الشبكات الإرهابية مرارا وتكرارا على أنها لا تلتزم بالحدود الوطنية، وأنها تعتبر العالم كله أرض جهاد، خاصة إذا تعلق الأمر بما تسميه ببلدان أنظمة الردة. ولم يعد سرا أن هناك اتصال بين الجهاديين المغاربة الهولنديين وأشباههم داخل المغرب، وأن مدينتي سبتة ومليلية لعبتا دائما دور جسر التواصل بين هؤلاء وأولئك. وما تفكيك خلية إرهابية مؤخرا بنواحي مدينة الناظور واعتقال شاب في هولندا من أصل مغربي يشتبه في علاقته بهذه الخلية، إلا مثالا بسيطا على مثل هذا التعاون. ووجود جالية مغربية كبيرة بالديار الإسبانية تنخرها مشاكل اقتصادية واجتماعية عديدة، ووجود شبكات جهادية دولية كبيرة في هذا البلد، يجعل الأمور أكثر تعقيدا. ليس فقط بالنسبة لهولندا ولكن أيضا بالنسبة للمغرب. وبوجود شباب مغربي داخل هذه الشبكات ذي مستوى علمي متوسط وفي كثير من الحالات عال، أبان مرارا وتكرارا على قدرة لا يستهان بها في الحصول على مصادر تمويل مختلفة يريد اقتسامها كذلك مع “إخوانه وأخواته” في المغرب. وبالنظر لهذا كله، فإنه من الصعب على المغرب أن يحتفظ بمنطق حياده تجاه ما يحدث في هولندا وأوروبا من تطورات سريعة الوتيرة في مجال الإرهاب الجهادي.

كما يجب ألا تقتصر جهود المغرب على درء الخطر الجهادي فقط وإنما يجب أن تشمل هذه الجهود الحفاظ على الأمن الروحي للجاليات المغربية المتواجدة في أوروبا عموما وهولندا خصوصا.

 

البلغة والجلابة

أنتج تصور المغاربة للممارسة الدينية وعلاقتهم بالإسلام على مر القرون تراكما مذهبيا وعقديا نتيجته الأساسية إسلام متسامح رحيم. فسواء أكنت في شمال المغرب أو في جنوبه فالممارسات الدينية واحدة، وإذا كانت هناك اختلافات ما، فإنها لا تتجاوز نوع وشكل البلغة والجلابة. كانت هناك دائما وحدة في المذهب والعقيدة، وحافظ المغاربة دائما وعلى مر العصور على علاقة وطيدة مع أئمتهم وعلمائهم، عمادها الاستقلالية والاحترام المتبادل. واشتغل الكل في انسجام وتناغم تحت مظلة مؤسسة إمارة المؤمنين التي قبل بها المغاربة لدورها المهم في الحفاظ على وحدة المذهب والعقيدة، وبالتالي وحدة المغاربة عربا كانوا أم أمازيغ.

ورغم كل هذه الإنجازات التاريخية، فإن أبناء مغاربة المهجر بدأوا في الانزلاق واحدا تلو الآخر تحت تأثير دعاة الشر الذين يستغلون هامش الحرية الواسع في الغرب ليخلقوا شرخا بين هذا الغرب والعالم الإسلامي، يدفعون فيه بأبناء المغاربة الذين انفصلوا عن تقاليد أجدادهم. فإذا حدث ودخلت في نقاش مع أحد هؤلاء الشباب المغاربة في هولندا، فلا يمكنك التخلص من الانطباع بأنه لم يبق من تلك الوحدة المذهبية والعقدية إلا الشيء القليل، إن لم تكن قد اندثرت تماما. وهذا يشكل تحديا كبيرا، ليس فقط بالنسبة للعلماء والمؤسسات الدينية، وإنما لجميع الجهات الفاعلة المغربية، دينية كانت أو غير دينية. لقد علمنا التاريخ أن التشرذم الديني يؤدي بالنتيجة إلى تشظي الوحدة الاجتماعية والسياسية والثقافية بكل ما لذلك من تبعات لا تحمد عقباها.

التحدي .. إمارة المؤمنين

المغرب مطالب اليوم وبإلحاح أكثر من أي وقت مضى، أن يسائل نفسه عما إذا كان موقف الحياد تجاه ما يحدث في الغرب في أوساط الجاليات المغربية هو موقف صحي وصحيح. وليس ضروريا أن يتدخل المغرب في شؤون الغير، وإنما العمل على تمتين وتوطيد العلاقات الروحية بينه وبين الجاليات المغربية في المهجر يخدم مصلحة الجميع، مغربا وغربا. وعلى الجهات المغربية المكلفة بشؤون الهجرة أن تراجع أمام هذا التحدي الكبير سياساتها في العقود الأخيرة. صرف ملايين الأورو بهدف تعليم اللغة العربية على سبيل المثال في حد ذاته هدف نبيل، ولكن السؤال هو إن كان هذا الهدف فعالا. الشباب الجهادي الذي ولد، شب وترعرع في هولندا يتقن اللغة العربية أفضل من بعض الشباب في المغرب نفسه. إنهم لم يتعلموا اللغة العربية في المدارس التي مولت بأموال مغربية، بل أخذهم تشددهم إلى طرابلس لبنان واليمن والقاهرة، السعودية وحتى موريتانيا. والذين تعلموا اللغة العربية وأمورا أخرى هناك، بدأوا في تعليمها للآخرين بمن فيهم الهولنديين الذين يرجى اعتناقهم للإسلام المتشدد، وبالتالي تزويد الشبكات الجهادية بأعضاء جددا شقر الشعر، زرق العيون. وعندما نكرر نفس التجارب السابقة في المجال الروحي، فإننا سنكون كمن يحاول التخلص من الماء دون إغلاق الصنبور أولا! وهكذا سيظل موسم الهجرة إلى الشرق الأوسط يتكرر ويتكرر.

بالإمكان وضع حد لهذه الحلقة المفرغة إذا حاولنا الاستفادة من الأوضاع الجديدة لبسط نفوذ مؤسسة إمارة المؤمنين في هولندا دون أن يؤدي ذلك إلى صدام سياسي أو دبلوماسي بين البلدين. ولنا في التاريخ الديني الهولندي عبرة يمكن أن نقتدي بها. فما زالت للهولنديين الكاثوليك روابط قوية مع الفاتيكان. هذه العلاقة روحية في أساسها وما زال أساقفة هولندا يعينون من قبل البابا وهو الذي يسائلهم في حال فشلهم في القيام بالعمل المنوط بهم. وما دون هذه العلاقة الروحية فالدين لله والوطن للجميع.

* باحث وخبير في قضايا الدين والدولة والتطرف. يكتب لكبريات الصحف الهولندية

Comments

comments