الفنان مذروس رائد الأغنية الريفية.. من يرد له الاعتبار؟

  • 0

عبد الحكيم كربوز- الحديث عن الأغنية في قبيلة ݣزناية وغيرها من قبائل الريف، لا يمكن أن يتم إلا إذا استحضرنا، فنانا ألهم أجيالا كاملة عشقا وحبا وتذوقا للفن الجميل، وللنغمة الموسيقية الممزوجة بالكلمة الصادقة التي انبثقت من بين صخور وجبال ووديان وتربة قبيلة ݣزناية. إنه الفنان الراحل الحاج محمد مذروس الذي هيمن بأدائه وصوته الغنائي الصادق على الساحة الغنائية الريفية، منذ أواخر الخمسينات وعلى مدار الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

هذا الفنان الذي لم يحظ بعد بحقه من البحث والتحليل والقراءة عند عموم المهتمين، باستثناء بعض المحاولات القليلة جدا. وبحكم انتمائي لقبيلة ݣزناية، وانسجاما مع البرنامج الذي سطرته جمعية ذاكرة الريف، لرد الاعتبار لهذه القبيلة، وكإعلامي أمازيغي ريفي، اخترت أن تكون مساهمتي في هذا اللقاء، بمثابة التفاتة ورد الاعتبار للفنان الراحل مذروس، الذي يعتبر بحق رائد الأغنية الريفية بعد الاستقلال، وهو ابن قبيلة ݣزناية. ومن لا يعرف هذا الفنان الذي ارتبط في ذاكرة أبناء الريف عموما، وفي مرحلة خاصة، لم تكن هناك غير الإذاعة للاستماع بصوت هذا المغني وغيره من الفنانين، أبناء جيله، وخاصة الذين كانوا يحرمون من حضور الأعراس والحفلات التي كان يحظى الفنان مذروس بشرف الغناء فيها مجانا.

الفنان الحاج محمد موذروس رائد الأغنية الريفية

الفنان الحاج محمد موذروس
رائد الأغنية الريفية

كم هي المهرجانات التي تقام هنا وهناك، ولا أية مبادرة لتكريم هذا الفنان وغيره من الفنانين الذين ما زالت بصمات إنتاجاتهم حاضرة بقوة في كل المناسبات.

ونظرا لقلة الدراسات والأبحاث في هذا المجال، وحتى لا ندعى أننا سنوفي هذا الفنان حقه من التحليل والبحث والاهتمام، أو ندعي أننا نملك أدوات نقدية لقراءة تراثه الفني، وإنما سنحاول التعريف بشخصه وبمساره الفني وقراءة في بعض أغانيه، وستكون أيضا فرصة لتوجيه النداء إلى كل الفعاليات للانكباب والاهتمام بتراثنا المحلي وتدوينه من أجل رد الاعتبار لكل الذين صنعوا مجد الريف في جميع المجالات.

الفنان مذروس، هو نجيم محمد بن احساين بن علي بن زيان، والدته فاطمة اليعقوبي، من مواليد دوار إحضرِيًّا، جماعة تزي وسلي، إقليم تازة، سنة 1935، من عائلة تتكون من خمسة إخوة، على غرار باقي أبناء دواره، التحق مبكرا بالمسجد لتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن، حيث كان بارعا في ذلك، اشتغل “فقيها” أو ما يعرف: الشرط بإحدى مساجد “عين زورة” بالريف الشرقي لأيام معدودات. هاجر بعدها إلى الجزائر، إسوة بباقي أبناء الريف، خلال المرحلة الاستعمارية، بحثا عن الرزق سنة 1948. وهناك ازداد عشقه وحبه الفطري للغناء، حيث تعرف على العديد من الفنانين الجزائريين أمثال: الشيخ حمادة، عبد المولى، رابح درايسية، نورة، صاحبة الأغنية الشهيرة وسط شباب المرحلة “يا ابن سيدي يا خويا” التي أعاد غناءها بالريفية “أميس نسيذي يا يوما بد صنثاي” ودحمان الحراش وغيرهم.

كان متزوجا من ثلاثة نساء، رزق منهن 19 ولدا، 10 ذكور و9 إناث، الزوجة الوحيدة التي ماتزال على قيد الحياة هي من الحاجب.

كانت وفاته يوم الإثنين 12 شتنبر 2005، بمدينة القنيطرة وبها دفن.

أعاد الفنان مذروس إلى الواجهة بعد غياب طويل، وإن كانت أغانيه حاضرة بكل قوة في برامج الإذاعة الأمازيغية، نظرا لتنوعها، الصديق محمد الزياني، وهو من أبناء الحسيمة، ومن مؤسسي العمل الثقافي الأمازيغي، في هذه الربوع العزيزة، من خلال جمعية الانطلاقة الثقافية بالناظور وبعدها في جمعية النكور للثقافة والفنون بإمزورن التي نتأسف كثيرا على غياب أنشطتها الإشعاعية.

في شهادة موثقة، بعث بها إلينا وهو يتحدث عن زيارة الراحل لمدينة الحسيمة سنة 1996 وإجرائه لحوار صحفي مع الفنان مذروس، بجريدة الخزامى التي كانت تصدر بالحسيمة، يقول بأن المبادر الأول لاكتشاف الفنان مذروس إعلاميا بداية التسعينات من القرن الماضي، كان الزميل والصديق عبدالحكيم ݣربوز، الإعلامي بالإذاعة الأمازيغية، بعد تنسيق مشترك، يقول الزياني، مع المذيع الناجح زمانه، الذي نأسف كثيرا لمغادرته العمل الإذاعي الأمازيغي مبكرا، أحمد تعامنت، الذي كان يشتغل بإذاعة تطوان الجهوية، حيث بادر الأخير رفقة زميلتنا في الرباط، سلوى المقدم، إلى إجراء حوار إذاعي مع الفنان الراحل مذروس بتاريخ 7 يناير 1995.

بعد حوار الأخ أحمد تعامنت، بادر زملاؤونا في الإنتاج الأمازيغي، تعبير تريفيت، بالإذاعة المركزية، إلى إجراء حوارات متتالية مع الراحل الفنان مذروس، وكانت آخر حلقة، تمت إعادة تقديمها، في 14 شتنبر 2005، مباشرة بعد ذيوع خبر وفاته، وكانت الحلقة الحوارية الأولى، تم تقديمها مباشرة على أمواج الإذاعة الأمازيغية، يوم 14 ماي 2005، كشف من خلالها الفنان مذروس عن جوانب هامة، من حياته الشخصية والفنية.

فإذا كنا نسجل محدودية الدراسات والأبحاث في التراث الغنائي للفنان مذروس، فالأستاذ جميل الحمداوي، ابن الناظور، في دراسة نشرت له بجريدة الاتحاد الاشتراكي، الملحق الثقافي، ليوم 19 شتنبر 2014، فإنه يعتبر الفنان مذروس، من أهم رواد الأغنية الأمازيغية بالريف بعد الاستقلال إلى سنوات السبعينات من القرن الماضي، إذ قدم العديد من الأغاني الدينية والغزلية والاجتماعية، ما زال أرشيف الإذاعة يحتفظ بالبعض منها. ومن هذا المنبر نلح جميعا على الأستاذ جميل الحمداوي، بضرورة مواصلة الطريق والكشف عن جوانب بنفس الأهمية من أغاني مذروس وإتمام الجهد النبيل، الذي بذله ويبذله دائما في سبيل التعريف بهذا الفنان وغيره من معالم الثقافة الأمازيغية في الريف.

أغاني الفنان الراحل محمد مذروس تفوق 52 قطعة، والتي سجلها للإذاعة المغربية في بحر الستينات وبداية السبعينات، تبلغ مدة كل قطعة 15 دقيقة. وهي كافية لتشكيل أروع خزان، سيأخذ منه عشاقنا وفنانونا، أنبل قيم ثراتهم الغنائي قديمه وحديثه إذا ما سعوا إلى تطوير تجاربهم المعاصرة.

حينما لمع نجم مذروس وعلت شهرته كفنان، سارع إلى تكوين مجموعة غنائية، تضم العنصر النسوي، هذا اعتراف منه، كما جاء في جريدة الخزامى بالحضور القوي للمرأة في المجال الغنائي، ولقد كانت الكثيرات منهن يرافقنه في جولاته الفنية عبر ربوع المنطقة، وكذا على المستوى الوطني أثناء التسجيل الإذاعي، ويعترف لهن، بما قدمنهن من تضحيات في سبيل الأغنية الريفية، وهن ينتسبن إلى عائلات محترمة، وكان يتذكر منهن في حواره الصحفي 3 نساء متميزات في الصوت والانسجام مع الإيقاع الموسيقي المعروف أنذاك، منهن فاطمة العباس، يامنة الخماري وشميشة.

توزعت أغاني الفنان مذروس بين مجالات عدة ومتنوعة ظلت ولا تزال تلهب اهتمام أبناء الريف، كغنائه للوطن، للإنسان، للدين والحياة والحب. ولعل وقوفنا في هذه المداخلة على بعض المقاطع من أغانيه، يحق لنا اعتباره من الأوائل الذين أرسوا الدعائم الأولى والأسس الفنية لقيام أغنية ريفية خالصة متميزة شكلا ومضمونا في غنائه للوطن وبجمال طبيعته، على غرار الفنانين المغاربة أبناء جيله.

ذروخت أنبذ وارهوى ذكفران

أمان ذصماصن هكوندا اكغزران

غنى للحسيمة:

أبيا الحسيمة     ايا الهو انصبح

وني ذين إراحن عماص ادروح

وفي غنائه لقبيلة تمسمان، في شهادة موثقة، في حواره الصحفي بجريدة الخزامى:

أشاريغ ثمور اتمسمان وتويضغ

انناي ذن الزين قنش عاد وطيقغ

تتاغ إسيدي ربي كوسن ذين أحاغ

ففي سنوات 1962 – 1963 بمناسبة عودة عمالنا بالخارج، وصل إلى علم الفنان أنه هناك صراع وتنافس بين طرفين، يريدان الظفر بالزواج من فتاة مشهورة النسب، مما حدا بأحد الطرفين إلى دفع مبلغ مليون ونصف المليون سنتيم للظفر بزواج هذه الفتاة، ذاك ما أثار حفيظة واستفزاز الفنان، فسارع إلى إنشاد هذه الأغنية الخالدة.

الفنان مذروس كان سباقا إلى الغناء عن الهجرة ومعاناتها وذلك عندما عاد من الجزائر ليستقر نهائيا في وطنه المغرب:

فكار ثمورث إنش أياوان إودان

إوذان إحورين نثنى ربد ضهان

رلاَّ هاجغ ثموث إنو     رلاّ اكيغ وجدة التنبتات

رلا ايلعمر إنو       رلا اكذش قثسوات

تهاجر ثمورث انش    ما يتسما تدارذ

ما يوشاش أورنش شك ربد صبارد

ثمورث ذي رورغ نش تقاكرخت

الفنان مذروس أبدع كثيرا في الغناء عندما ارتبط بالزهد والتصوف والاهتمام بالأضرحة حيث اغنيته المشهورة التي غناها رفقة رفيقته في الغناء فاطمة العباس، ما زالت تمثل الأغنية رقم 1 في الإذاعة الأمازيغية ضمن الأغاني الدينية.التي تقدم ايام الجمعة

الله إينو، الله إينو الله إينو

غفار زذنوب، ينو.

هذه الأغنية، الذائعة الصيت، يقول عنها ذ جميل الحمداوي، تطفح بالعبق الرباني وتزخر بالعطر العرفاني وتنبني على نشدان التوبة الربانية وتصور الرغبة العارمة لدى الإنسان في المغفرة عن الذنوب.

أما أغنيته الصوفية (ءاربي وين يوفى ءاريف ءاذين ءيراح)، فيرى الأستاذ جميل الحمداوي أن الفنان مذروس يحث على زيارة الأضرحة والقبور للتبرك بهم، ربما يكون الفنان شاهد على ذلك، حيث يحتضن دواره على قبر إحدى الأضرحة القديمة لا أحد يعرف هويته، ويحمل إسما غريبا (سيذي لاَطَا)، قد يكون هذا المعطى هو الذي يدفع الباحثين على الاهتمام بالأضرحة في الريف وبالذات في قبيلة ݣزناية.

ذلك ما دفع الباحثة الأنتربولوجية المكسيكية “أثول راميرت رودريكيس” إلى إنجاز أطروحتها حول الأضرحة بالريف الأوسط (ݣزناية). والتي قالت في عرضها، الذي ألقته بمدينة إمزورن بدعوة من جمعية الريف للذاكرة والتراث يوم 6 فبراير الماضي، أنه لم يبق في الريف غير الأضرحة والمقابر.

في قراءة سريعة للمصادر التي توفرت لدينا من أطروحة “آيت ورياغل” لدافيد هارت، في المحور الذي خصصه للدور الثقافي، للشعر والموسيقى والرقص، توقف “هارت” عند اللازمة المشهورة “أيار لابويا” قال عنها دون مغالاة، إن أي قبيلة لا تغنيها لا تعتبر ريفية، رغم أسلوب غنائها من قبيلة لأخرى، غير أن الصيغ النموذجية تبقى تلك المغناة بالريف الأوسط من قبائل آيت ورياغر، اكزناين، تمسمان وهي بالتحديد، الأمثلة التي يمكن الاستماع إليها في أغلب الأحيان في الإذاعة المغربية، خلال الحصة الريفية.

هذه إشارة واضحة إلى أن أغاني الراحل مذروس تستجيب لهذه اللازمة. تكاد تكون نفس الإشارة نجدها في الفقرة التي خصصها الأستاذ أحمد بوقراب للأغنية الشعبية (رلابويا) في كتابه عن منطقة الحسيمة، وهو يتحدث عن اللازمة “الله إينو الله إينو الله إينو”.

وفي الختام لا يسعنا إلا نكرر النداء الذي أوردناه في بداية مداخلتي هذه، إذ علينا أن نسارع إلي تدوين تراثنا وحفظه من الضياع وتفعيله كمشاريع فكرية ومعرفية تنجز من أجله بحوث جامعية لأجيالنا القادمة. وهنا يحق لنا أن نتساءل عن أدوار تلك المؤسسات التي كتب لها أن تبدير المال العام في مناسبات عدة باسم الأمازيغية لأغراض شتي، دون أن تلتفت يوما لمثل هدا الفنان وغيره من الفنانيين الذين كرسوا حياتهم بكاملها لخدمة هذا المكون الهام من ثقافتنا الامازيغية.

*نص المداخلة التي ألقاها الإعلامي الريفي عبد الحكيم كربوز خلال ندوة المقاومة وجيش التحرير في منطقة اكزناية، والتي نظمتها جمعية ذاكرة الريف (أواخر مايو 2015) في الحسيمة.

Comments

comments