أحمد البلعيشي: عُذراً . .  “سيدتي السلوقية”!

  • 0

وَجّهت “المؤسسة المغربية لحقوق الإنسان” رسالة إلى وزير العدل والحريات، للمطالبة بفتح تحقيق حول الانتهاكات والفظاعات، التي يتعرض لها نزلاء ضريح “الولي الصالح بويا عمر”! وتضمنت الرسالة، جرداً شاملاً حول ما يحدث في البيوت المحسوبة على الضريح، من تعذيب واغتصاب وتجويع واحتجاز لحوالي 1800 مواطن مغربي! وهي “الطاقة الاستيعابية” لهذا المحتجز، الموسوم بالكرامات والبركات والأساطير! أين منها فظاعات معتقلات إكدز وتازمامارت وغواتنامو؟!

رسالة الإطار الحقوقي المذكور، جاءت بالتوازي مع التحدي الذي رفعه الحسين الوردي، وزير الصحة بالمغرب، حيث قال: “إما أنا وإما بويا عمر”، واعداً بوضع حدٍ نهائي لظاهرة “الاحتجاز القسري” من داخل “بويا عمر”، بعد أن عمّرت هذه الظاهرة، عقوداً طويلة، وخلَّفت آلاف الضحايا من حملة العاهات النفسية والجسدية، القادمين نحو قلعة السراغنة، من كلّ فج عميق، ومن كل ربوع “المملكة الشريفة”!

مشهد صادم من بويا عمر

مشهد صادم من بويا عمر

تصريح الوزير، ورسالة المؤسسة الحقوقية، وتقارير عديدة حول الموضوع، أثارت لدي ملاحظة جوهرية، وهي اختصار الوزير الريفي للموضوع، واقتصاره فقط على “بويا عمر”، من دون الإشارة – ولو تلميحاً – إلى عشرات البنايات الخربة والمحسوبة على “أولياء الله الصالحين” على امتداد الوطن، والتي أضحت أوكاراً يعشش فيها ثالوث الاحتجاز والتعذيب والاغتصاب، وفي حراسة كاملة من طرف “حراس المعبد المخزني”! بدعوى الحرص على “الإسلام الوسطي”، والاعتراف بدور “أولياء الله الصالحين” في نشر قيم السلم والمحبة والعيش المشترك؟!

وزير الصحة (المشهود له بالجدية)، لم يشر أيضاً على زملائه من الأوصياء على الظاهرة، في قطاعات الداخلية والثقافة والأوقاف والشؤون الإسلامية (المسؤولين عن الأمن المادي والروحي للمواطنين)، بحقيقة بعضِ المكذوبِ عليهم من “أولياء الله الصالحين”، خاصة هنا بالريف الكبير، حيث تحوم الشكوك حول صحة وجود هذه الكائنات، بالمقاييس التاريخية والفزيائية ذاتها، أمثال “سيدتي السلوقية”، قرب ضريح سيدي شعيب “اُونفتاح” بقبيلة تمسمان، وسيدي “العابث”، الذي هو مجرد “كذبة سيارة”، على قمة الجبل الحاضن لمدينة الحسيمة! وحيث إن الولوج إلى خدمات وبركات هؤلاء، خاصة “سيدتي السلوقية”، وأخواتها في ربوع الوطن، غَدتْ ناقصة “شرعا” من دون أداء فروض التبريك وإشهار الطاعة والولاء، لحراس “المعبد” من سلالة بني كلبون؟!

شخصياً، أعرف شاباً (من أفراد العائلة الممتدة) قرر والده، ذات غضبة (مُضرية)، أن يتخلص من “مشاكساته” (الناتجة عن عاهة نفسية عادية، قياساً إلى واقع العطالة وانسداد الآفاق ..)، فاصطحبه سِراً، إلى ضريح “بويا عمر”!

بعد بضعة أشهر، زار الأب فلذة كبده، للاطمئنان على “علاجه”، فكان أن وقف على الحقيقة، وعاين الكارثة: “لقد ذهب حراس المعبد بنور عيون ابنه، وباتت عينه اليسرى، مجرد تجويف أسود”؟!

منذ استعادة الأب (لما تبقى من ابنه)، وإلى غاية وفاته (رحمه الله) راح يشْكو للعالمين تلك المأساة، وظِلُّ الخطيئة يطارد الأب والابن، سواء بسواء.

قرار الوزير الريفي جاء متأخراً وناقصاً (وإن كانت المسؤولية مشتركة وتضامنية بلغة الحكومة)! إذ أن تدخله حصريا لفائدة ضحايا “بويا عمر” من دون كل “الباباوات”، على الصعيد الوطني، يقلل من شأن المبادرة، وما يجري ويدور من ممارسات وطقوس، غاية في التخلف والهمجية، ستتواصل ولن تتأثر بمبادرة “بويا الحسين” (بلغة شباط)، خاصة وأن الظاهرة باتت منتوجاً اجتماعيا ومجتمعياً بامتياز! وثمة جهات دولتية نافذة، تسهر – صباح مساء – على استدامته ورعايته، في سياق مقاربة “مخزنية”، تروم تسويق الأعطاب والعاهات، سيراً على نهج ووظيفة بطل نجيب محفوظ، في روايته الرائعة: “زيطا صانع العاهات”!

“بويا عمر”، و”سيدي العابث”، و”سيدتي السلوقية”، وكل فصائل وسلالات بني كلبون، مجرد شجرة، تخفي غابة: قصة شعب بأكمله، وضعه حكامه وحراس معبده من كل المستويات والدرجات، وفي غفلة من “الزمن الديمقراطي”، رهينة في “المحتجز العام”، الذي اسمه: الوطن! وتلك هي الحُبكة، وبئس القصة! مع اعتذاري – شخصياً – لسيدتي السلوقية، لأنها – وحسب الأسطورة – كانت أكثر إخلاصاً ووفاءً، من باقي سلالات “بني كلبون”. ولله في خلقه شؤون!

ملاحظات:

  • السلوقية: “ثوشايث” باللغة الريفية، وهي أسطورة سارت بذكرها الركبان.
  • سيدي “العابث”، المعروف عند الناس ب”سيدي عابد”، لا وجود له أصلاً.

Comments

comments