“حسيميات” جمال أمزيان: الثمانيات .. زمن الرصاص والعودة إلى الذات

  • 0

المشهد الخامس

أعود مرة أخرى إلى ثمانينيات حسيمتي التي لا تشبه ثمانينيات باقي البلد. حسيمة كانت تغلي، نقاشات هنا وهناك، أنشطة ثقافية متميزة تؤطرها نخبة اصطفت إلى جانب الفئات الاجتماعية المقموعة، والتي قهرها الزمان قبل أن يقهرها أولو الأمر. كان الصراع آنذاك عموديا وعلى أشده بين الفاعلين في الحقل السياسي المغربي.

جمال أمزيان مهتم بتاريخ الريف

جمال أمزيان
مهتم بتاريخ الريف

لماذا أعود إلى هذه الفترة من تاريخ المدينة وإنسانها وفاعليها ومجالها بالرغم من أنني قد تناولت بعضا من حياتها في اللوحة السابقة؟ ولماذا الحديث عن البلد وليس عن الريف فقط؟

السبب أن هذه الفترة والقرارات المتخذة خلالها من لدن المركز، هي التي وُصفت في الأدبيات السياسية مع مطلع العهد الجديد بسنوات الرصاص. ذلك أن السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كانت العصا الغليظة في يد السلطة التي كانت وحدها المتواجدة في الساحة، ولا يُعلى عليها، وكل من حاول أن يعارضها مصيره معروف لديها فقط. هي السنوات التي أعطت لنا الكوربيس والمطار وأكدز مثلا، في الوقت الذي بقيت فيه جروح دار بريشة والمعهد الديني ودار الخمال ووو… ووقائع انتفاضة العزة والكرامة جروحا لم تندمل. الفترة التي كانت فيها الموازنات العمومية والغير عمومية في تصاعد صارخ بسبب مشاكل الصحراء ونفقاتها العسكرية والغير عسكرية الموجهة للأعيان قصد الاستقطاب والاستمالة. زد على ذلك أن سياسة المغربة التي شُرع فيها منذ أواسط السبعينيات ساهمت في خروج العملات إلى البنوك العالمية بعدما غادر الأجانب المتحكمون والمتنفذون البلاد، مع تراجع مداخيل الفوسفاط الذي كان المغرب يعول عليه. هذا في الوقت الذي ارتفعت فيه الديون الخارجية وساد الجفاف واستأسد في مغرب كان يعتبر نفسه ويعتز ويفتخر بكونه أول بلد فلاحي عربي إسلامي إفريقي. ذلك الجفاف والقحط وشح المطر الذي جعل عاهل البلد يدعو شعبه العزيز إلى عدم نحر أضحية العيد حفاظا على قطيع الماشية. ورغم هذا النداء، فالكثير من الذين سمعوا الخطاب لم يستمعوا لصاحبه، ونحروا أضاحيهم في صمت مطبق وفي غفلة من عيون أهل الحال. فقد يتخلى الفقير والمعوز، وما أكثرهم، عن كل شيء، لكن أضحية العيد هي شيء مقدس لا يمكن التفريط فيها. والقدسية هنا لا تأخذ بعدا دينيا، إنما هي الفرصة الوحيدة التي يتناول فيها الأطفال الفقراء اللحوم الحمراء حتى التخمة بحكم غيابها من وجباتهم طيلة أيام السنة.

هذه الوضعية الاقتصادية هي التي دفعت العاهل إلى القول بأن البلد على شفا حفرة الانهيار، وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه فسيصاب اقتصاد البلاد بالسكتة القلبية، سيما وأن الصناديق العالمية بدأت تتوجس من تفاقم الأزمة التي قد تكون قاتلة، وهذا ما دفعها إلى تقديم وصفات ونصائح للبلد لإيجاد حلول تعيد للميزانية توازنها مما يسمح للدائنين باسترداد ما اقترضوه له.

هكذا ولد برنامج التقويم الهيكلي. البرنامج الذي كان وبالا على المجتمع وأدخل البلد في بالوعة ما زلنا نعاني من تبعاتها إلى الآن.

فلقد فرض هذا البرنامج تخفيض قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية وخصوصا الدولار بغية تشجيع الصادرات المغربية، تقليص الواردات التي عرفت أسعارها ارتفاعا مهولا، كما ارتفعت أسعار المواد في السوق الداخلية في الوقت الذي جمدت فيه الأجور وبدأت فيه معضلة التشغيل وتزايد فيه النمو الديموغرافي وتغير بنيته وغدا تزايد الخريجين من المؤسسات التعليمية أمرا ملحوظا ومزعجا. كما تم تطبيق ما عرف في الأدبيات السياسية والاقتصادية بسياسة التقشف، أي العمل على تقليص النفقات من أجل الادخار لتسديد الديون الخارجية. هذه السياسة لا يمكن أن تنجح إلا إذا تخلت الدولة وحكومتها الموقرة عن التزاماتها تجاه المجتمع. وفي هذا الصدد تم تصنيف مؤسسات الدولة على مؤسسات منتجة، أي مدرة بشكل مباشر للمداخيل المالية، ومؤسسات غير منتجة، أي مؤسسات تشكل عبءً ماليا ثقيلا على الدولة، وهي التي تستحوذ على الجزء الأكبر من نفقاتها، ومنها مثلا وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة. لذا وتمشيا مع وصفة صندوق النقد الدولي كان من الضروري العمل بهذا البرنامج، برنامج التقويم الهيكلي. وفعلا لقد كان البلد من التلاميذ النجباء وحظي برضا المؤسسات المقرضة. لكن التداعيات والانعكاسات كانت وخيمة على المجتمع والإنسان؟

ما هي تجليات هذا الوصفة في مجال التعليم مثلا، المجال الذي ما زلت أزاول فيه عملي إلى الآن؟ من بين الإجراءات التي اتخذت: تقليص النفقات التي تعني تقليص مناصب الشغل والبنايات الجديدة والتخلي عن سياسة تعميم التعليم. كيف ذلك؟ بتطبيق سياسة “دع مقعدك للآخر” وانتقل إلى المستوى الأعلى حتى ولو لم تكن متمكنا من التعلمات الأساسية. ماذا كانت النتيجة؟ هو ما نراه اليوم؛ إطار وما هو بإطار. مدرس بينه وبين التدريس بون شاسع. طبيب وما هو كذلك. وبالطبع مع استثناء ذوي الضمائر الحية.

لكن لتنجح هذه السياسة لا بد من تكسير شوكة النخبة المتعلمة والمناضلة والعمالية، ذات الفكر النقدي والإبداعي والتنويري والمشتعل والمتقد وسط هذا الحقل، والمقصود أساسا هو رجل التعليم ذو الفكر اليساري الذي كان يؤطر الإضرابات والاعتصامات في مختلف القطاعات. فكانت الاعتقالات العشوائية

، ولفقت التهم من كل الأنواع، ووزعت قرون من الأحكام بالسجن على كل من سولت له نفسه أن يمس بالأمن وعاد ظهير “كل ما من شأنه” إلى التداول، ولم تنج حسيمتي من ذلك، حسيمتي التي تنضاف إليها تهم أخرى ورثتها عن تاريخها المجيد؛ تاريخ أريد له أن يقبر بوأد زعمائه ورموزه.

وبالطبع كانت لوضعية البلد هذه انعكاسات على حسيمتي، فكانت أحداث 1984، أحداث استخرجت فيها من قاموس اللغة العربية الفصحى ألفاظ زادت المنطقة ابتعادا عن المركز وغرست في ذاكرة المنطقة وأهلها نوعا من الحكرة والأسى. أحداث على إثرها حلت جمعية البعث الثقافي واتهمت بكونها تنشر الفكر الإلحادي، واعتقل بعض أعضائها وآخرون من تماسينت وإمزورن.

ورغم كل ما سلف، كانت ثمانينيات القرن الماضي فرصة لتحصين الذات بالعلم والمعرفة، إذ بعد حل الجمعية عدت إلى ذاتي ومحرابي، ألتهم ما كتب عن الريف لفهم موقف المركز منه وساعيا إلى إتمام دراستي أيضا. هذه الثمانينيات هي التي سألتقي فيها بوالدي، أعتقد سنة 1981 لأول مرة، تلتها مرة أخرى والأخيرة قبيل رحيله عن هذه العاجلة التي نحن فيها منتظرين لدورنا.

(يتبع)

 

Comments

comments