محمد أمزيان: انتحار الكلب حودان

  • 0

غبار طريق القرية يرقد في سبات عميق، لا يستيقظ إلا تحت وقع  حوافر البغال والحمير. أحيانا تزعجه قطعان الماعز والأغنام التي يتنافس سكان القرية على كسبها، فيهج نحو السماء. غير أن أزهى أيام الحركة التي تشهدها هذه الطريق، هي عندما يحين موسم الحب والخصوبة عند كلاب القرية. يمكن اعتباره النشاط الجماعي الوحيد لكلاب القرية، أما خلال باقي شهور السنة، فيستحيل أن ترى كلبا يرافق كلبا آخر.

عند منتصف هذه الطريق وبالقرب من بركة الماء، فقد الكلب حودان ذيله إلى الأبد. يوم لا يُنسى. كانت معركة كلابية شهيرة، شارك فيها كلاب غرباء لم ير أشكالهم وهيآتهم أحد من قبل. كانت المنافسة على أشدها، وحودان لم يكن ليرضى بأقل من الفوز. كان يرى مهمة الإخصاب”حقه” الطبيعي. وبما أن الجائزة هو وصال  كلبة غضة تدخل تجربة العلاقة الحميمية لأول مرة، فقد استنفر حودان كل طاقاته للظفر بها. هي الكلبة الوحيدة في القرية. القرويون يتأففون من تربية الكلبات، لأنهن يجلبن العار ويلدن من أصلاب مجهولة. بئس الجراء التي لا تعرف أصلها وهويتها. هذه الكلبة المراهقة والتي يتقاتل عليها معشر الكلاب وهم في حالة هيجان هستيري، كانت عابرة سبيل فقط وليست من كائنات القرية. وعندما أحست بقشعريرة تشل جسمها وبحرارة ترتج لها أحشاؤها، أدركت أن غريزة الخصوبة تناديها. استسلمت وانتظرت. لم تتأخر جموع الكلاب من الطواف حولها، مكشرين، متوثبين، متأهبين. الكلاب لا تغتصب أنثاها حتى ولو كانت وحيدة، مهيضة الجناح. يتبارزون “برجولة” منقطعة النظير على كسب قلبها، كما كان النبلاء يفعلون في الأساطير. والأنثى بدورها لا ترضى إلا بالفارس المقدام.

“ضمر جسمه السلوقي الرياضي الذي كان يشبه جسم متسابق الماراثون،  وأضحت آهاته مسموعة. كأنه يقول: يا ليت الذيل يعود! ثم انقطعت أخباره نهائيا”

كلب واحد فقط يظفر بجائزة الاقتحام والالتحام، أما الباقي فعليه أن يجرب حظه في موسم الخصوبة القادم. أحد العارفين بأسرار لغة الكلاب وطبائعهم، أوضح أن الكلاب النبّاحة هي التي تُقصَى مبكرا من المنافسة. عندئذ ينغزها الحرمان والكبت فتغرق في مواويل اللطم والبكاء. وحده الكلب الفحل من يظفر بالمهمة الجليلة التي يتأسس عليها كيان “بني كلبون” برمته، فيحاول إنجازها بدقة وبسرعة متناهية حتى لا يزاحمه الحساد المتربصون أولا، ولكي يتفادى ثانيا مرحلة الإطباق، وهو كمين خبيث تلجأ إليه الكلبة خلال التسافد. الإطباق هو في الحقيقة انتقام فظيع للأنثى. تجرجر الذكر، تفضحه، تمسح به الأرض أمام العالمين. والأنكى من كل ذلك أنه عندما يحدث التسافد والإطباق، يتهافت الصبية على الكلب المنكمش داخل جلده مثل القنفذ، بالضرب والرفس والرجم من بعيد. وكم من كلب فارق الحياة خلال هذا الامتحان الوجودي العسير. حودان فقد ذيله فقط. يمكن القول إنه كان محظوظا، لكن شيئا ما ضاع منه إلى الأبد، يشعر أنه أضحى كائنا آخر، حتى الأطفال لم يعودوا يخشونه.

– لا تخافوا، إنه حودان!

يمشي بلا “رجولة”، يحاول التكشير عن أنيابه فلا يخيف ذبابة. أدرك بعد فوات الأوان أن الذيل أهم من الناب. في الحقيقة لا يشكو من خصاص المأكل والمشرب. بمقدوره أن ينام في أي مكان دون أن يخشى من شقاوة الأطفال، بل كان هؤلاء يفرحون  به عندما يمر أمامهم، يهشون عنه الذباب في الصيف، ويسترون عورته بالقش حين ينام. هذه المعاملة “الإنسانية” كانت تؤلم حودان في أعماق أعماقه، هو الذي ألف من الناس معاملة خشنة، قاسية، تليق بحياة الكلاب الحقيقية، كيف يهان بهذه المعاملة الرخوة.  الشفقة عذاب وشقاء. شعوره بتفاهة الوجود حطم معنوياته تماما، فدخل في حزن عميق. لم يعد يهمه لا صاحبه الذي رباه ورعاه حتى بلغ أشده، ولا نسله الذي قد يكون خلفه مع تلك الكلبة التي دمرت حياته. فقد شهية النباح، ضمر جسمه السلوقي الرياضي الذي كان يشبه جسم متسابق الماراثون،  وأضحت آهاته مسموعة. كأنه يقول: يا ليت الذيل يعود! ثم انقطعت أخباره نهائيا. الذي يفهم لغة الكلاب أكد أن حودان انتحر.

– الكلاب حينما تشعر بدنو أجلها أو تحس بالإهانة، تنتحر كما ينتحر المحاربون اليابانيون، بعيدا عن أعين البشر.

يتذكر بعض القرويين عزة نفس حودان، فيتأسفون على حال من يعاشرونهم من بني الإنسان.

*نشرت في المساء، 19 مايو 2015

Comments

comments