إبراهيم حمودة: زهر اللوز

  • 0

كان أستاذنا عثمان البدوي الذي تلقينا على يديه مادة الإخراج التلفزيوني يدعو ألا تبيع محلات الالكترونيات المتقدمة منتوجاتها للمشترين إلا بعد مقابلة خاصة يستجوب فيها المشتري حول مدى حاجته للجهاز وكيف سيستخدمه، وذلك تفاديا لإتلاف هذه الاجهزة عن طريق الاستخدام العنيف الخاطئ.

وأقول اليوم في ذكرى هذه الفكرة إنه يجب ألا يأكل الواحد منا طعاما قبل أن يعرف كيف ينتج أو يستزرع. في طفولتي كنت أعتقد أن المكرونة تنبت في شجيرات مثل البن، ويبدو أن خيالي الذي يخلط النباتات بالمنتوجات المصنعة ظل على حاله لم تطمسه الكهولة ولا تجارب التنقل بين بلاد الله الواسعة.

أشجار اللوز من الأشجار المتوفرة بكثرة في حوض البحر الأبيض المتوسط

أشجار اللوز من الأشجار المتوفرة بكثرة في حوض البحر الأبيض المتوسط

كنت أحسب طوال عمري منذ أن أدركت أن اللوز ينبت في الأرض مثله مثل النباتات “الدرنية” تماما. لم تحصل المصادفة السحرية التي تسمح لي باكتشاف شجر اللوز وزهر اللوز وقصيدة درويش في وصف زهر اللوز.

بقدر الاحساس بالحياء لضحالة معرفتي وتقصيري عن الإلمام بنباتات العالم وأشجاره المجيدة، إلا أن تفكيري قد ذهب في اتجاه كيفية التعامل مع ما تتيحه لنا تكنولوجيا المعلومات الحالية. يكفي أن تنقر كلمة على محرك البحث غوغل فيجيئك ما تريد وما لا تتوقع. لماذا لم أبحث أمر اللوز من قبل؟

قال صائح بداخلي ولماذا أفعل؟ وهل يتوقع من المرء معرفة كل شيء؟ لطالما احتفينا بالأشخاص الموسوعيين الذي يلمون بالكثير عن كل شيء. ولكن في عالمنا الحالي ستضيع في غابة المعلومات المبذولة بسخاء للدرجة التي تفقد فيها المعلومة معناها إن لم تضعها في سياق بعينه، تماما كقول المثل “لا ترى الغابة من كثرة الأشجار”.

ولكن لأشرار التكنولوجيا حيلة مع هذه الغابة. قبل سنوات لم يكن أحد ليفكر في أن المعلومة الخام ذات فائدة تذكر. ماذا اشتريت لفطوري من السوبر ماركت، متى هاتفت أسرتي، على أي مواقع التسوق أونلاين أتردد.. متى أطفئ أنوار البيت لأخلد للنوم..

تحولت مثل هذه المعلومات التي لا تعني أحدا لتجارة رائجة بحيث يستخدمها المختصون في التسويق لتوجيه المنتج المناسب للشخص المناسب، إن لم يكن عبر الشبكة العنكبوتية، فعبر مطبقات الدعاية المعنونة بدقة مخيفة باسمك وعنوان مسكنك.

في جو الوفرة المعلوماتية هذا يرادونا الوهم بأن كل شيء تحت سيطرتنا وليس ثمة مجهول يستعصي علينا. ننسى أننا كائنات محدودة إن وجدت بحر المعلومة فإنها لا تجد الوقت الكافي لمراجعتها، لتحقيق ذلك نحتاج الكثير من الحيوات بدل حياة واحدة وعمر واحد.

ليس هذا بالعذر المناسب لإغفال أمر اللوز وأشجاره بأزهارها الجميلة. سأعامل اللوز بما يليق من حفاوة. سأذكر للنباتات سيرتها. أعتذر عن كل لحظة طعمت فيها حبيبات اللوز اللذيذ المملح دون التفكير في أبيات درويش:

“لوصف زهر اللوز، لا موسوعة الأزهار

تسعفني، ولا القاموس يسعفني…

سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغة

والبلاغة تجرح المعنى وتمدح جرحه،

كمذكر يملي على الأنثى مشاعرها

فكيف يشع زهر اللوز في لغتي أنا

وأنا الصدى؟”.

 

هيلفرسم – هولندا 21-05-2015

 

 

 

 

Comments

comments