عماد استيتو: معضلة اليسار المغربي

  • 0

أعلنت فيدرالية اليسار الديمقراطي، وهو اتحاد حزبي مؤلّف من ثلاثة أحزاب يسارية مغربية راديكالية (الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، المؤتمر الوطني الاتحادي)، العام الماضي خوضها للاستحقاقات الانتخابية المقبلة المختلفة (محلية، برلمانية). ورغم هذا الإعلان المبدئي إلا أن المشاركة ظلت محل شكوك كبيرة إلى حين موافقة قانون “الأحزاب السياسية” الجديد الذي أقره المجلس الوزاري الذي رأسه الملك في 15 مايو الحالي على مشاركة اتحادات الأحزاب بقوائم مشتركة في الانتخابات، وهو مطلب ظلت فيدرالية اليسار الديمقراطي تشدد عليه لتأكيد المشاركة.

عماد استيتو

عماد استيتو صحافي وشاعر من المغرب

لكن على الرغم من أن هذه الخطوة تضع حداً لمقاطعة أحزاب اليسار الراديكالي للانتخابات المغربية في المرحلة الراهنة، إلا أنه من غير المرجّح أن تحقق هذه الأحزاب مكاسب مهمة من خلال مشاركتها في الانتخابات. فالأحزاب التقليدية المشكِّلة لليسار الراديكالي باستثناء حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، كانت قد رفضت المشاركة في الانتخابات المبكرة التي أجريت في 25 نوفمبر 2011، وهي الانتخابات الأولى التي تشهدها البلاد بعد إقرار تعديلات دستورية جديدة. وقد قاطع حزبا الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والاشتراكي الموحد، إلى جانب حزب النهج الديمقراطي، الانتخابات في ذلك الحين لأنها اعتبرت أن الدستور الجديد سوف يفرز حكومة خاضعة، بالإضافة إلى أن الانتخابات تُنظَّم في ظل الشروط السابقة نفسها. يظل حزب النهج الديمقراطي، وهو الأكثر تطرفاً بين الأحزاب اليسارية الراديكالية، متشبثاً بموقفه الثابت برفض إضفاء المشروعية على عملية يراها “مغشوشة” ورغم أن معظم هذه المبررات التي استندت إليها هذه الأحزاب في اتخاذ قرار مقاطعة العملية السياسية في العام 2011 لاتزال قائمة اليوم، إلا أن فيدرالية اليسار الديمقراطي ارتأت مراجعة موقفها وسوف تشارك في الانتخابات لأن المرحلة في تصورهم دقيقة ولم تعد تحتمل ترك الكرسي فارغاً لمعارضة برلمانية صورية تقودها أحزاب تعودت المشاركة في السلطة.

ورغم أن ولادة فيدرالية اليسار الديمقراطي في يناير 2014 أعادت إحياء آمال واسعة لتوحيد قوى اليسار في المغرب، قد يُعتبَر هذا التحالف نوعاً من “التمييز” أرادته هذه القوى السياسية عن حزب النهج الديمقراطي ومواقفه التي ترى هذه الأحزاب أنها عدمية. إلا أن هنالك تخوفات كبيرة من أن يكون هذا التحالف مجرد نزوة انتخابية أملتها لحظة انفعالية لهذه الأحزاب بسبب خوفها من الدخول في حالة من “العزلة” إذا ما تمادت في مقاطعة المشاركة المؤسساتية. هي على كل الحال لا ترى في قرار المشاركة أمراً مخالفاً لأدبيات تشترك فيها الأحزاب الثلاثة في إطار ما يعرف باستراتيجية “النضال الديمقراطي” بشقَّيه المؤسساتي والجماهيري، فخيار المقاطعة بالنسبة إليها تكتيكي ومرحلي وليس خياراً دائماً. فقد سبق لهذه الأحزاب أن شاركت في بعض المحطات الانتخابية كما قاطعت أخرى.

“على الرغم من أن فيدرالية اليسار الديمقراطي لا تراهن على تحقيق فوز انتخابي فوري، إلا أنها ترى أنه قد يكون من الناجع العمل على بناء تراكم منذ الآن قد يوصل في محطات انتخابية قادمة”

لكن وفي حين أن فيدرالية اليسار الديمقراطي توافق على الحاجة إلى إنهاء المقاطعة، قد لايكون هناك إجماع لدى قواعد أحزاب الفيدرالية حول ماتريده من التحالف. بعد انتخابات 2011، أعاد حزبا الطليعة والاشتراكي الموحد النظر في خيار المقاطعة الذي تسبّب لهما بمزيد من العزلة والانفصال عن الشارع. علاوةً على ذلك، تراهن أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي على فرصة المشاركة في الانتخابات لتجديد التواصل مع المواطنين والتعريف باختياراتها وبرامجها وتصوراتها. لكن المشاركة لا تخلو من مخاوف من أن تفضح ضعف هذه الأحزاب الغارقة في مشاكلها التنظيمية، والتي لم تبنِ أي قاعدة اجتماعية يمكن التعويل عليها انتخابياً. كما أنّ الفشل في الفوز بعدد كافٍ من المقاعد لتحصيل فريق برلماني سيولد شحنات سلبية لن تفعل سوى تأجيج الانقسامات الداخلية. إذ يمكن القول إنهم أصبحوا بائدين بعد مقاطعتهم الطويلة للمسار الانتخابي بشكل جعل المؤمنين بهم وبما يقدمونه أقلية، وهو ما يعني أن فرصهم الحسابية في الانتخابات القادمة تبقى ضعيفة جداً، كما أن مواقفهم ورؤاهم لا تتقاطع مع باقي الأحزاب اليسارية الإصلاحية، ما يجعل فرضية اشتغالهم أو تنسيقهم مع هذه الأحزاب مستبعدة جداً، وهو ماسيؤدي في النهاية إلى جعلهم معزولين وضعيفي التأثير حتى لو حصلوا على بعض المقاعد. ويرى هذا التوجه أولوية إعادة بناء التنظيمات وتسوية أعطابها الداخلية قبل خوض غمار أي استحقاق انتخابي.

لكن يرى العديد داخل الأحزاب الثلاثة أن الانتخابات تمرين مهم لمعرفة وزنها الحقيقي وحجم الدعم الذي تحظى به في أوساط المغاربة. على الرغم من أن فيدرالية اليسار الديمقراطي لا تراهن على تحقيق فوز انتخابي فوري، إلا أنها ترى أنه قد يكون من الناجع العمل على بناء تراكم منذ الآن قد يوصل في محطات انتخابية قادمة إلى تحقيق نتائج أفضل، لأنها ستكون على الأقل قد استطاعت عبر المشاركة إيجاد موطئ قدم لها في الساحة الانتخابية وحشد تأييد فئات جديدة وكسب تعاطف المترددين وبالتالي تشكيل نواة قاعدة جماهيرية مفترضة.

لكن لايزال على هذه الأحزاب أن تقدّم تفسيرات واضحة حول كيف يمكن للمشاركة الانتخابية تحقيق أهدافها المعلنة في ورقتها التأسيسية وأبرزها الانتقال إلى نظام ملكي برلماني وبناء دولة مدنية ديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية. لقد رهنت مشاركتها بقائمة من الشروط، منها إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ووقف التضييق على الجمعيات الحقوقية، وتأسيس هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات، وإعداد قوائم انتخابية جديدة. لكن هذه الشروط لم تتحقق، ولا يبدو أنها ستتحقق قبل الانتخابات، ومع ذلك يبدو التوجه العام داخل الفيدرالية مؤيداً للمضي في خيار المشاركة حتى لو لم تتحقق هذه الشروط.

يبدو أن التيار الذي اختار المشاركة في الانتخابات من داخل الفصائل الحزبية لأقصى اليسار المغربي يواجه جملة من التحديات، يبقى أبرزها ترجمة صوته المعارض والممانع إلى أصوات انتخابية تجعله يحدث تغييراً في موازين القوى. تدرك هذه الأحزاب صعوبة المهمة وشبه استحالة تحقيق نتائج تتجاوز ما حققته الأحزاب الثلاثة مجتمعة – ستة مقاعد – في الانتخابات البرلمانية في العام 2007. يخشى كثيرون في فيدرالية اليسار الديمقراطي أن تفضي المشاركة في الانتخابات إلى تكريس الطبيعة الأقلوية لأقصى اليسار المغربي. أما المقاطعة فسوف تحوله إلى ما يشبه نوادي المفكرين وتجعله مكتفياً بتنظيم الندوات والحلقيات، بدلاً من أن يمثّل هذا اليسار أحزاباً سياسية فعلية

*صحافي مغربي.

يمكنكم متابعته عبر تويتر: StitouImad@.

المصدر: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

Comments

comments