أحمد البلعيشي: عودة النقاش حول قضية اللغة بالمغرب

  • 0

عرف مجلس عزيمان نقاشات وصفت بالصاخبة، فيما ينتظر أن يتم الحسم قريبا، في مقترح اعتماد اللغة الفرنسية (كلغة ثانية) للتدريس، “وبالتناوب” مع لغات أخرى من خارج هوية المجتمع المغربي، وبعيدا عن روح شعبه وثقافته الضاربة في عمق الحضارة: إنسانا، ولغة، وثقافة، ومجالا.

وضع تقرير “منظمة التعاون والاقتصاد والتنمية”، المدارس المغربية في خانة الأسوأ، على المستوى العربي، في حين حل المغرب في المرتبة 73 من بين 76 دولة، شملها التصنيف، وذلك اعتمادا على مقاييس الجودة، ونسبة النمو الاقتصادي، وكذا النتائج المتحصل عليها من قبل التلاميذ، في جملة مواد أساسية.

في حين تؤكد مختلف التقارير الدولية، نسبة التدني ذاتها، واكتفاء المغرب بالمراتب الأخيرة، رفقة بانغلاديش ودجيبوتي وقطاع غزة، واللهم لا شماتة.

“إن هذا “العدوان” هو مجرد معركة ضمن حرب إيديولوجية، وممنهجة لإقصاء الريفيين، من كل حقوقهم المشروعة، في مواكبة التحولات العالمية السريعة، وممارسة كافة حقوقهم الطبيعية في الحياة السياسية والثقافية والإنسانية”

خليفة هذا المدخل، تنبني على عودة “النخبة المولوية” إلى النقاش البيزنطي حول المسألة اللغوية بالمغرب، وماهية اللغة التي يجب استعمالها في مهام التدريس، وذلك ارتباطا بالجدل المحموم، الجاري هذه الأيام في قلب جهاز عزمان “المجلس الأعلى للتربية والتكوين”، ويحدث هذا بالطبع بعد ستين سنة من حدث “الاستقلال الشكلي” المزعوم.

النقاش الجاري بين لوبيات الفرنكفونية والعروبية والشعبوية “العيوشية”، تصب (جملة وتفصيلا)، في خانة الرغبة (المخزنية) في نزع روح شعب بأكمله، وهو للتذكير شعب لا يتنفس إلا بالريفية، والسوسية، والشلحة، والحسانية…مع انفتاحه على كل اللغات والثقافات والحضارات، خاصة داخل الفضاء المتوسطي والإفريقي والعالمي، والتشبث الذكي بجذوره اللغوية والهوياتية والمجالية والحضارية.

عودة الروح هذه، من شاكلة “عودة الشيخ إلى صباه”، خاصة أنها تأتي في ضل سيادة “العبث الديمقراطي”، وفي سياق “السطوة المخزنية”، على كل ممكنات ممارسة الحرية والاختلاف والحق في تقاسم الخيرات والسيادات والحياة.. وفق الأنماط المتعارف عليها عالميا مما يجعل من “الهراش” الذي يكتسح الصحافة والإعلام “الوطني”، حول المسألة مجرد ركح مسرحي، على هامش المتن المخزني، المنتشي باستسلام المقاومات الفكرية والحزبية والشعبية، وكذا الردة الحقوقية بعيد انهيار 20 فبراير، وحلم التغيير “الثوري”، وفشل “الربيع الديمقراطي”، داخل المملكة المغربية.

مسألة التربية والتكوين، والإشكالية اللغوية تحديدا، تستحق من المؤمنين بخيار الريف الكبير – وباقي النسق الجهوي المطلوب…مجهودا فكريا ونضاليا حازما ومسؤولا، لا محيد عنهما، ضمن أجندة اهتمامنا وانشغالنا، بكل ما يهم الريف الكبير ماضيا، وحاضرا، واستقبالا.

شخصيا (وقد سبق أن عبرت على ما يفيد ذلك) أعتبر أن قطاع التربية والتكوين، ينبغي موضعته في قلب الرهانات المطروحة، على كل الريفيين الأحرار، نظرا لما يكتسيه التعليم من أهمية كبرى، واستراتيجية، لدى الشعوب المتحضرة، والتي تعتبره قاطرة أساسية للاستثمار البشري، والتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والعمرانية (بالصيغة الخلدونية)، ونظرا – وهذا أساسي – للمستوى الانحداري الرهيب، لوضعية التربية والتكوين بالريف الكبير، وفي مختلف الجبهات والوضعيات (اللغة، الهدر المدرسي، الكتاب المدرسي، الهوية، المعرفة، البحث العلمي البرامج، الديداكتيك…).

مما لا شك فيه، أن إقصاء اللغة الريفية، من أداء وظيفتها الاجتماعية والتربوية والتواصلية، هو انقلاب سياسي على توصيات المجتمع الدولي، وتأكيدها المتواصل بصدد اعتماد اللغة الأم، ضمن برامج التعليم في جميع أنحاء العالم، وذلك انسجاما مع الشرعية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

ولعمري، إن هذا “العدوان” هو مجرد معركة ضمن حرب إيديولوجية، وممنهجة لإقصاء الريفيين، من كل حقوقهم المشروعة، في مواكبة التحولات العالمية السريعة، وممارسة كافة حقوقهم الطبيعية في الحياة السياسية والثقافية والإنسانية، وبكامل الكرامة التي خولتهم حق رفع رؤوسهم أمام العالم، وبدون “سفاهة”، كما قال يوما (رئيس جمهورية الريف، سابقا): عبد الكريم الخطابي.

لقد آن الأوان لدق ناقوس الخطر، وكشف المستور عن التخريب الذي يمارس في حق الريفية تحديدا، والأمازيغية عموما، خاصة وأن فشل مقاربة الدولة، فيما يتعلق بالأمازيغية، قد باتت، أوضح من نار على علم.

بؤس الاختيارات الكبرى للدولة المخزنية، في شأن قضية التعليم، وسواها من الرهانات تقتضي منا، وضع استراتيجية بديلة للمدرسة العمومية، ومن ضمن المراجعات والأولويات السياسية المطروحة على الريفيين (وكل الجهات التاريخية بالمغرب) تنطرح مهمة التصدي لإشكالية اللغة، خاصة وأن اللغات الحاضنة لأحلام وثقافة الريفيين، تمازجت فيها عدة مكونات (اسبانية، هولندية، فلامانية…) ناهيك عن حاجاتنا التواصلية مع العالم من خلال الانجليزية والفرنسية…وهو المعطى السوسيولوجي الذي تتجاهله وبكل وقاحة، مجالس “النخبة المولوية”، ومجلس عزيمان، الذي لا حول ولا قوة له، إلا بتصريف “الأعمال المخزنية”، لا أقل ولا أكثر.

 

Comments

comments