“حسيميات” جمال أمزيان: شارع رواندا

  • 0

(“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة عن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

المشهد الرابع –

يشكل هذا الشارع نقطة ارتكاز المثلث السابق الذكر، فيه قضيت أزيد من ثلاثين سنة بعدما قررت أواخر سنة 1982 مغادرة قريتي. قرار كان صعبا آنذاك، لكنه كان ضروريا وحتميا لأسباب عديدة.

في سنة 1977 عينت معلما للتدريس في التعليم الابتدائي. ومن حسن حظي أو لسوئه بعثت لممارسة هذه المهنة في قريتي، فهل مطرب الحي سيعرف كيف يطرب؟ هذا ما سأفهمه وسأدركه في هذه القرية التي أبى الزمن أن ينساها ولو أن حاكمي البلد حاولوا أن يقبروا تاريخها وتاريخ المنطقة كلها.

ملتقى مزرا - آيث بوخلف

مزرا – ملتقى وادي الرواضي ووادي إكركار.
في مزرا عقد أول اجتماع للريفيين الذين أجمعوا على تعيين محمد سلام أمزيان على رأس انتفاضة 59/58 تصوير: جمال أمزيان

الأمية متفشية في قريتي، إذا ما استثنينا بعض حفظة القرآن الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة. وفي محاولة مني تحسيس الأهل والجيران بضرورة التعلم للحاق بالركب واكتساب مهارات ومعارف توسع أفق التفكير لدى الفرد، كنت دوما أصد وأجد ممانعة لديهم رافضين هذا التعليم “العصري” لأنه يبعد أبناءهم عن الدين ويعلمهم قصص القطط والأسود وعلم الكفار، ثم أنه لا أمل لهم في أن يجدوا مستقبلا عملا يكسبهم مالا وخيرا ونفوذا كبيرا. كانوا يفضلون حفظ واستظهار سور وآيات القرآن في “المسيد” لأبنائهم ريثما يكبرون، ثم يلحقونهم بالحقول إلى أن يتدبروا أمرهم للحصول على عقد عمل بالخارج بعد أن يتمكنوا من جواز السفر، “الباسبور” الأخضر.

بصراحة، كانت المهمة صعبة. وطيلة المدة التي أمضيتها هنالك، حدثت وقائع عدة تتباين في تأثيرها على نمط تفكيري ونظرتي للحياة ولنفسي ولأهلي ولقريتي. وقائع ستحدد سلوكي تجاه ذاتي وتجاه الآخرين. أخطأت في بعض المواقف وأصبت في الكثير. إجمالا لم تكن الحصيلة كما أبتغي.

صحيح أن الحياة في قريتي لها طعمها، حلاوتها ومرارتها، لكن الآفاق تظل ضيقة بالنسبة لي. فما العمل إذا؟ لا بديل عن النزوح والهجرة.

منظر عام لقرية آيث بوخلف

منظر عام لقرية آيث بوخلف
تصوير: جمال أمزيان 2013

في شتنير من سنة 1982، سأستقر بشارع رواندا وتبدأ بذلك مرحلة أخرى من حياتي، هي من أحلى مراحلها. فطيلة أزيد من أربعة عقود، عشت خلالها أحداث 1984، زلزالي 1994 و 2004، التقيت زملاء عديدين، من أهل اليمين ومن أقصى اليسار، اليسار الاشتراكي والشيوعي الذي كان يؤطر نمط تفكيرنا آنذاك. تلك كانت الموضة وقتذاك. ذلك أن الصراع يومذاك كان صراعا بين نمطين من المرجعيات، بين إيديولوجيتين الأولى اشتراكية شيوعية بروليتارية تحررية تحوم في فلك الاتحاد السوفياتي، والثانية رأسمالية طبقية بورجوازية مالكة استبدادية تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية. كان الصراع بين شرق مكافح مدافع عن حق الشعوب في التحرر وتقرير المصير وتوزيع الثروات، وبين غرب إمبريالي استعماري انتهازي كمبرادوري مستبد مستغل ديكتاتوري. لم يكن الحديث آنذاك لا عن حقوق الإنسان ولا عن الأمازيغية كما هو الحال اليوم إلا في قليل من الأحايين والأماكن.

في هذا السياق التاريخي ستبرز في المغرب العديد من الجمعيات ستعمل على التغلغل بين ثنايا المجتمع وتلاله وهضابه، مؤطرة، موجهة، داعمة مجانيا للطلبة والتلاميذ في تكوينهم. وبالطبع كانت المؤسسات التعليمية الفضاء الخصب لهذا العمل بما يتاح فيها من فرص للنقاش مع أساتذة متنورين متشبعين بروح النقد والعقلانية، وبالفكر الاشتراكي ومؤمنين بأن الصراع يجب أن يكون عموديا وليس أفقيا.

وعلى نفس المنوال سنساهم في تأسيس جمعية “البعث الثقافي” رفقة أصدقاء منهم لمعلمي والراقي والخطابي وبنعبود وزروق، أزرياح والبلعيشي وبويازيضن وآخرين. الجمعية التي استطاعت أن تؤسس لثقافة العمل التطوعي والجمعوي في ظرف وجيز، وخلقت دينامية وحركية في المجال الثقافي بالمدينة آنذاك بتنظيمها لأسبوع التضامن مع الشعب الفلسطيني بحضور واصف منصور، السفير، مع معرض للصور واللوحات لمبدعين فلسطينيين ومغاربة. كما تم تنظيم تظاهرة كبرى بمناسبة فاتح ماي مع أمسية شعرية وغنائية لفرقة تواتون. هذا إلى جانب تقديم دروس للدعم والتقوية والإرشاد الاجتماعي لتلاميذ مستوى البكالوريا بشكل مجاني من لدن أساتذة ثانوية أبي يعقوب البادسي.

وللتاريخ أشير أيضا إلى العمل والأنشطة التي كان يقوم بها النادي السينمائي كل يوم أحد بقاعة السينما أو بدار الشباب، وهي الأنشطة التي ساهمت في توسيع المدارك والمعارف لدى الناشئة يومذاك، وكذا وعيهم بمجتمعهم وبتناقضاته.

لوحات مختصرة موجزة لحسيمة بدايات عقد ثمانينات القرن الماضي، لوحات كانت لا تغيب عن أعين أهل الحال، وشكلت صكوك اتهام عقب أحداث 1984.

(يتبع)

 

Comments

comments