أحمد البلعيشي*: العسكرتارية والمخزنة ساقطة لا محالة

  • 0

الاعتداء على فريق الرجاء البيضاوي في سطيف الجزائرية، وإطلاق الرصاص على مواطنين مغاربة، من طرف حرس حدود الجارة الجزائر، عمل مدان، وعدوان مقيت، وأخاله يندرج ضمن “الكراهية” المزمنة والمستحكمة في العلاقات البين النظام العسكري في الجزائر، والنظام المخزني في المغرب، لأسباب سنأتي على بسط خلفياتها في المقال.

زاد من تسعير الخلافات “المخدومة”، ضعف ردة فعل الشعوب، ونجاح الأنظمة الشمولية – في المنطقة – في الحد من منسوب الحرية والديمقراطية لدى الشعبين الجارين، والزج بكثير من نخب المغرب الكبير، في أتون الاصطفاف المشبوه حول أجندة الحكام وألاعيبهم الصبيانية، بحيث انعكست العلاقات المتوترة والمفتعلة، وأصابت بالعدوى ممكنات التعايش والتضامن والتكامل بين الشعبين الشقيقين.

تابعنا كيف يستغل الإعلام “الوظيفي” للدولتين، أبسط تظاهرة رياضية أو ثقافية أو سياسية حتى، لشحذ أسلحة تعميق “سوء الفهم الكبير”،

 

وهكذا بات كل احتكاك على الجانبين المغربي والجزائري، مثار شبهة وتصعيد، فرأينا كيف تتحول تظاهرة محض رياضية بين فريقي سطيف الجزائري، والرجاء البيضاوي المغربي، ومناوشة حدودية “جوج بغال: عاقوا وفاقوا”، استوجبت استنفار فلول ما تبقى من شوفينية “الحركة الوطنية”، والدعوة إلى النفير العام؟ وضخ مزيد من الزيت (ولو المحروق)، على نار العلاقات المتوترة أصلا بين الطرفين؟

أجل، تابعنا كيف يستغل الإعلام “الوظيفي” للدولتين، أبسط تظاهرة رياضية أو ثقافية أو سياسية حتى، لشحذ أسلحة تعميق “سوء الفهم الكبير”، وتسعير الشقاق والشنآن ووضع المتاريس القبلية والنفسية بين الشعبين الشقيقين، لتكون قضية الصحراء الجنوبية (دائما وأبدا) حصان طروادة في أجندة الحرب النفسية، والتي تفوق في ضراوتها – القبلية بالتأكيد- حرب “داحس والغبراء”، زمن الجاهلية الأولى، في جزيرة العرب؟

أعلم جيدا، أن النظام العسكري الجزائري، هو الرابح الأكبر في هذه المعزوفة، بحكم هشاشة “وضعه السوسيولوجي” وحاجته المستدامة إلى توظيف معادلة الصحراء القاتلة، وأعلم أيضا عمق الجراحات المتواترة والمتراكمة بين الطرفين، من “سيناريو” اختطاف طائرة الزعيم الجزائري بن بلة، في أجواء المغرب؟ وحرب الرمال التي شنها المخزن الحسني صبيحة يوم استقلال الجزائر، وأدرك عميقا نزيف الكلوم، التي تسببت فيها العسكرتارية الجزائرية بالنسبة للريفيين والمغاربة عموما، خاصة حين انتزع النظام الجزائري ألاف المواطنين الامنين، من حضن زوجاتهم وعائلاتهم، وألقى بهم شبه عراة على تخوم الحدود سنة 1975، وكان حظ الريفيين وافرا في هذه الجريمة ضد الإنسانية. بل أزعم أني شخصيا، مواكب جيد لكل تفاصيل ترسيم الحدود الموروثة عن الاستعمار، والقياسات المعتمدة في “الصفقة”؟ وقد كتبت مقالات عدة حول المسألة، وليس آخرها مقال توصيفي للأوضاع في الجزائر ذات انقلاب عسكري على انتخاب “الفيس”، واشتعال الحرب الأهلية، تحت عنوان “الديمقراطية هي الحل”، وقد نشرته جريدة “اليسار الديمقراطي”، وحررته من سجن عكاشة بالدار البيضاء المغربية.

ذاكرة الريفيين مشبعة بتفاصيل بدايات “الاستقلال المزعومة”، حيث أقدم النظام العسكري الجزائري، على دعم وتمويل وتسليح “البلانكيين”، في صراعهم الشامل مع المخزن المغربي.. وشخصيا تصديت بكل تلقائية وأريحية، لأبواق الجزائر، وأقلامها المأجورة، حين دخلت متطفلة على خط الزلزال العنيف، الذي ضرب إقليم الحسيمة وعموم الريف الكبير سنة 2004، من دون السقوط في “الوطنية الشوفينية” كما درجت على ذلك الآلة الإعلامية، الممنهجة والمتخلفة للمخزن المغربي وأذياله داخل النخب المخدومة؟

عودا على بدء، إن الأسباب الجوهرية لخصومة “الديكة” بين النظام المخزني بالمغرب، والحكم العسكري بالجزائر، تتكثف بالجملة والتفصيل في عنوان كبير اسمه: “غياب الديمقراطية و حضور الاستبدادات”، ونجاح الطرفين في إقصاء واستبعاد الشعوب من معادلة حسن الجوار والعيش المشترك، والدفع – إلى الأمام – بما يجمعنا بالجزائر من هوية وثقافة وجغرافيا ومصالح (ماضيا وحاضرا واستقبالا).

ولمن أصيبت ذاكرته بالهوان أحيل على زمن تحول فيه الريف الكبير، إلى حاضنة شعبية لحركة التحرير وثورة المليون شهيد الجزائرية، وبالمقابل تحول التراب الجزائري والشعب الجزائري إلى حاضنة مماثلة، حين تم استضافة مهاجري الريف الكبير وعموم المغاربة زمن متوالية المجاعة، وفق “تغريدة” عبد الله البارودي في كتابه القيم: “المغرب والهجرة والامبريالية”.

زبدة الموقف كان ولا يزال، يتأسس على مسارين وسرعتين: الأول هو ضرورة تفعيل القانون الدولي (على علاته) في شأن الحوادث الطارئة – من حين لأخر- بين دول الجوار، واللجوء إلى الحكمة والدبلوماسية الشعبية للجم النزوع المتأصل بين الأنظمة الشمولية في المنطقة.

والثاني هو مواصلة مسلسل النضال المشترك من أجل الدمقراطية واستثمار الذاكرة المشتركة والعلاقات الأخوية والتكاملية بين الجانبين.

أما العسكرتارية الجزائرية، والمخزنة المغربية، فمصيرهما إلى زوال، والظاهرة ساقطة لا محالة.

*ناشط حقوقي وسياسي

Comments

comments