“حسيميات” جمال أمزيان: مثلث برمودا.. الذاكرة، الألم والفرح

  • 0

(“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة عن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

المشهد الثالث

في نهاية شارع المنصور الذهبي، وفي الركن الذي يلتقي فيه بشارع طارق بن زياد، يمينا توجد مؤسسة تكوينية لرجال التربية والتعليم، هل هناك تربية؟ أو هل هناك تعليم؟ هذا أمر نرجئه إلى وقت لاحق. ويسارا هناك مؤسسة أخرى “لإعادة التربية والتأهيل، داخِلُها حاليا يتخرج منها بدبلوم المحترف بعد أن دخلها هاويا في كل ما يخطر على بال إنسان من خطايا مجتمعية. إنها مؤسسة السجن المدني بالمدينة. وفي المقابل، ودائما على يميني، كانت هنالك مؤسسة أخرى حيث بدأت فيها الصور الأولى لذاكرتي، وهي التي دكت عن آخرها في إطار إعادة التهيئة والوظيفة، غير أن أوامر عليا أوقفت المشروع. هذه المؤسسة هي الثكنة العسكرية التي ورثها مغرب الاستقلال عن مغرب الاحتلال ففعل فيها ما فعل. طمس لهوية المعمار والذاكرة الجماعية.

طارق ابن زياد  - القائد الأمازيغي المسلم فتح الأندلس ومات كمدا في دمشق

طارق ابن زياد – القائد الأمازيغي المسلم
فتح الأندلس ومات كمدا في دمشق

تساءلت وأنا واقف عند هذا الملتقى ملتفتا يمنة في اتجاه صباديا ويسرة نحو “الساحة” عمن يكون طارق بن زياد، هذا العلم الذي “عاد إلى الحياة” في السنوات الأخيرة مع تنامي النداء بإعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية، بعد أن شبع تشردا في ساحات دمشق وموتا في إحدى مقابرها إذا لم تدك جراء ما يحدث في البلد في السنوات الأخيرة. هذا الإنسان الغماري الذي تتقاذفه الروايات التاريخية بين الشرق الإسلامي وغربه، والذي بشجاعته فتحت أبواب أوربا أمام الدين الإسلامي ذات يوم من أيام السنوات الأولى من القرن الثامن الميلادي، والذي يقابله يوم من أيام السنوات الأخيرة من القرن الأول الهجري.

كتابات الإخباريين العرب جعلته مولى من موالي العرب، بمعنى أنه ليس بعربي الأصل، لكنهم نسبوا إليه كلاما عربيا فصيح البلاغة وردت فيه العبارة التالية: “البحر من ورائكم والعدو أمامكم”. فكيف للغير عربي أن يتكلم بلغة الضاد بهذا المستوى البلاغي؟ فأين تعلمها وأتقنها؟ هنا نستحضر الروايات الأخرى التي حاولت أن تجيب عن ذلك قائلة بأنه من السكان الأصليين لهذه البلاد، وأنه فتح الأندلس وهو في الأربعين من عمره، ولما بلغ طليطلة وأمن الطريق إليها وجمعت عساكره الأمازيغية من الغنائم الشيء الكثير، أثار حسادا كثر من العرب، فاجتاز موسى بن نصير المضيق والتحق به. وبعد ما رأى ما رأى، راسل أسياده بدمشق فاستدعوهما معا إلى العاصمة، وهناك انتقم منهما معا بتهميشهما حتى التحقا بالرفيق الأعلى كمدا وحزنا على مآلهما.

زعيم وسع المجال الجغرافي للدولة الإسلامية يكون مصيره هكذا، تنكر عليه هويته وجهوده تجعل المرء يستغرب من تلك الفتوحات وما خلفت من دمار في هذا البلد القاصي.

ما هو القاسم المشترك بيني وبين مؤسسة إعادة التربية، السجن المدني الذي لم تطأه قدماي أبدا؟

طيلة أيام حياتي التي عشتها بمنزل كائن بأحد الشوارع القريبة من هذا المكان، كنت أمر لأكثر من مرة في اليوم الواحد من أمام أبواب هذه المؤسسة، وفي كل مرة أمر فيها أتذكر أن هذه المؤسسة قد احتضنت والدي لمدة تقارب السنة من سنوات منتصف عقد الخمسينات من القرن الماضي بتهمة المس بأمن الدولة والتخطيط للتمرد على أولي الأمور والعمل في “السياسية” وب”العبدكريمية”.

السجن المدني في الحسيمة هل هي مؤسسة إصلاحية فعلا؟

السجن المدني في الحسيمة
هل هي مؤسسة إصلاحية فعلا؟

أزيد من ثلاثين سنة، غدوا ورواحا، صباحا ومساء وليلا، وفي كل مرة، أتذكر والدي، قائد انتفاضة الكرامة، محاولا تمثل الأيام التي كان فيها في ضيافة هذا المكان إلى يوم تحويله في اتجاه مؤسسة لعلو بالرباط والسجن المركزي بالقنيطرة.

قبالته الثكنة العسكرية التي ضيفتني وأنا لم أتجاوز السن الرابعة من عمري في أحد أيام مارس من سنة 1959 عقب انتفاضة العز التي ترأسها الوالد، هذه المؤسسة العسكرية التي ترتبط بها أولى صور حياتي التي أتذكرها حيث كنا هناك، أنا وأسرتي الصغيرة والممتدة، ونحن الصغار يسمح لنا بالخروج إلى الساحة للعب والترويح وأخذ قسط من الهواء النقي وسماع أصوات النوارس وهي تحلق فوق رؤوسنا تتمايل مع تمايل التيارات الهوائية الصاعدة والنازلة؟ هذه الثكنة صرفت عليها أموال باهظة لتجديدها وإعادة بنائها، لكن إرادة الحاكم حولتها إلى أطلال وخراب.

في إحدى الأزقة المفضية إليها سكنت أنا وأسرتي الصغيرة لردح من الزمن تعدى الثلاثين سنة كنت خلالها أمر جنب أسوارها كلما أردت الانتقال إلى “المدينة”، فتتسارع في مخيلتي ذكريات الماضي وأشخاصه، ذكريات لم تغب عني ولم تتخلف ولو برهة واحدة عن الحضور في يومياتي. أعيش معها وتتعايش معي في يقظتي ونومي، في فرحي وأتراحي، في الأيام العادية أو الاستثنائية. هذا ما جعلني أسمي هذا المثلث بمثلث برمودا، مثلث الحزن والفرح، مثلث الذاكرة والحاضر.

ورائي حيث أقف، مركز تكوين المعلمين والمعلمات، هذه الفئة المهنية التي ترفض اسم هذه الوظيفة وغيرتها باسم المدرس بسبب ما ترسخ في أذهان الناس من أفكار تزدري بها، مع العلم أن التسمية الأولى جامعة مانعة وأكثر نبلا من الثانية لو أدركوا ما يفعلون وفعلوا ما هم مسؤولون عنه. وبجنبها نيابة وزارة التربية الوطنية المسؤولة عن هذا القطاع في هذا الإقليم.

هاتان البنايتان حلتا محل بناية تعليمية كانت بمثابة مَعْلمة فيما سبق، لا من حيث طبيعة بنائها ولا من حيث الدور الذي قامت به زمن الاحتلال وبعده في تكوين الأجيال. إنه المعهد الديني الذي آوى قائد انتفاضة الريف لأكثر من سنة قبل رحيله إلى فاس لإتمام دراساته أواسط أربعينيات القرن الماضي.

كل هذه الأمكنة، وفي أزمنة مختلفة، كونت جزءا من حياتي، سواء في ما مضى أو بعد ذلك، في صغري أو في كبري، أستحضرها في كل لحظة، أعيشها، أتعايش معها، وأستمر في تعايشها حتى وإن بعدت عنها في الوقت الراهن، وتتزاحم في مخيلتي وأنا مُسمّر واقف في هذا الركن من شارع طارق بن زياد.

(يتبع)

Comments

comments