سنوات الرصرص..أحمد البلعيشي يتذكر *: يوم القبض على الجنرال أشهبار

  • 0

(في ظل النقاش الدائر حاليا حول مشروع القانون الجنائي الجديد، نشر الناشط السياسي أحمد البلعيشي الوثيقة أدناه على موقعه الشخصي “هنا الريف”. أنوال.نت يعيد نشر الوثيقة باتفاق مسبق مع المعني بالأمر الأستاذ أحمد البلعيشي).

سنة 1992، كانت من أزمنة سنوات الرصاص، والجنرال الذي ينتمي إلى نسغ الريف الكبير، فيما القرار، يبقى حصريا، في يد الدائرة الضيقة للملك، وجد نفسه محرجا أمام الريفيين، لذلك حضر إلى كواليس المحكمة بعين السبع بالدار البيضاء، لأسباب مجهولة.

كان محيط المحكمة، ضاجا بمختلف القوات العمومية، وأجهزة الاستخبارات، فيما عشرات المحامين والعائلات والأصدقاء ومناضلي حركة حقوق الإنسان..يبحثون عن موطئ قدم داخل القاعة الكبرى للمحكمة…

أحمد البلعيشي يستذكر سنوات الرصاص

أحمد البلعيشي يستذكر سنوات الرصاص

الجنرال والكاتب العام لإدارة الدفاع الوطني للمملكة المغربية رحمه الله، راسل وزير العدل، في موضوع طلب تحريك متابعة، في حق أحمد البلعيشي، بناء على مرجع برنامج “لقاء” للقناة الثانية.

فجأة، تقدم إلي الجنرال، بزيه المدني الناصع البياض، والتمس مني الاعتذار الذي تقدم به الديفيزيونير أحمد أعشي رحمه الله أيضا، يوم تم حشره رفقة الحاج ثابت في جناح “علية القوم” بسجن عكاشة…حيث التمس مني المغفرة على ما تعرضت له مجموعتنا من تعذيب وتنكيل بأقبية كوميسارية الناضور صيف 1987، إلى جانب معتقلي امزورن ووجدة والحسيمة، وأشخاص من الهجرة والتكفير “أفروخ بنوقانا”…

لم أكن أحمل (ولا أزال) أي ضغينة للجلادين والمأمورين، ولو كانوا من شاكلة صرغو وأعشي والجنرال…بيد أن السؤال الملغز عن دوافع اعتذار المسؤولين والجلادين في لحظات ضعف حساسة؟ لازالت تثير لدي حمية الكتابة والبحث…

أعيد باستمرار قراءة نص الكتاب السري الذي رفعه الجنرال محمد أشهبار الى وزير العدل المغربي حيث يقول:

“أتشرف بأن أحيط سيادتكم علما، بأنه أثناء إذاعة برنامج “لقاء” القناة الدولية الثانية بتاريخ 11 نونبر 1992.أن السيد أحمد البلعيشي فاه بعبارات من شأنها أن تمس بسمعة القوات المسلحة الملكية وهيبتها. حيث أكد المعني بالأمر بإلحاح ما يلي:

– عسكرة الشمال مع انتشار الجيش في المدن والقرى.

– عنف السلطة التي عندما تتحرك بدون عقلانية، تأتي على الأخضر واليابس.

– الإجراءات الأمنية العسكرية.

– نقل القوارب بواسطة الطائرات العمودية، وتحطيمها.

إن إدعاءات هذا الشخص، زيادة على أنها مخالفة للحقيقة، تعطي نظرة مشوهة عن القوات المسلحة الملكية، التي تدافع عن حوزة الوطن، ضد أي اعتداء أجنبي. وعليه فإن العبارات التي جاءت على لسانه تعتبر:

1 ) إهانة تمس شرف هيئة الجيش وانضباطه ومعنوية أفراده، وهي الأفعال المنصوص عليها، وعلى عقوبتها في الفصلين 263 و 265 من القانون الجنائي.

2 ) إشاعة أخبار كاذبة عن قصد وسوء نية، الهدف منها ضعضعة معنوية القوات المسلحة الملكية، وهي الأفعال المنصوص عليها في الفصلين 42 و 45 من قانون الصحافة.

لذلك نلتمس من سيادة الوزير، إعطاء تعليماتكم للجهة القضائية المختصة، لمتابعة المسمى: أحمد البلعيشي، المزداد سنة 1957، بدوار أغيل أجلمان (والصحيح أغير أجرمام) بني بودير، ملحقة بودينار إقليم الناضور(الدريوش حسب التقسيم الجديد)، من أبيه محمد بن حدو بن عمار، وأمه خديجة بنت دحمان متزوج بدون أطفال. الساكن بالحسيمة شارع لبنان رقم 7.

من أجل الأفعال المشار إليها، كما نلتمس منكم مصادرة شريط البرنامج المذكور ليكن أداة إثبات في القضية”.

كشف النقاب عن مضمون الرسالة أعلاه، الغاية منه إثارة الانتباه إلى خطورة مشروع القانون الجنائي الذي يناقشه المغاربة اليوم، والذي يتضمن فصولا تجرم حرية التعبير، وتسطير منظومة قانونية تصادر حق جهات كالريف الكبير في التفكير والتعبير والتدبير سواء ضمن مقاربة الجهوية الموسعة أو الحكم الذاتي أو حتى الانفصال.. وذلك تحت يافطة ما يسمى بالولاء للوطن؟وقضايا عديدة سنعود إليها بنقاش تفصيلي، وقد سبق أن أشرت إلى بعضها، ضمن ندوة علمية نظمت مؤخرا بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة ( الغريب في الأمر أن وزير العدل مصطفى الرميد كان أحد المحامين الشباب الذين آزروني في المحاكمة الشهيرة، ترى ماذا تغير؟ ).

ملتمس الجنرال لاعتقال أحمد البلعيشي

ملتمس الجنرال لاعتقال أحمد البلعيشي

الوثيقة رفقته تتضمن عدة التباسات وإشكاليات منهجية وديمقراطية، لكن الغاية من العودة إليها، ليس كما قد يتوهم البعض، من أجل قلب المواجع واستدامة الأحقاد و”قلة أدب”؟

بل إن حاصول مبتغاي هو عدم النسيان، واستضباع الإنسان، والاعتراف بماضينا المشترك:

نحن من حقنا أن ننشر في العالم ذاكرتنا وندوبنا ووثائقنا، وهم من واجبهم أن يعتذروا قولا وفعلا، إذ أن ماضينا وجرائمهم هي ملك للأجيال الصاعدة، وتفاهات الجبابرة والمستبدين إلى مزبلة التاريخ.

ولأن الموتى لا يتكلمون، فإن وثائقنا هي خير مدافع عن الذاكرة، ورحمة الله على روح الجنرال، الذي أسقط عن سجله بعض العتب ( على الأقل اتجاهي شخصيا )، من خلال مبادرة تقديم الاعتذار.

وعذرا لأنجاله وأسرته الصغيرة، والتي لا نكن لها إلا الحب والاحترام، خاصة وأن براءتها من مسؤوليات الحكم، ثابتة كبراءة كل أبناء الريف الكبير.

*أحمد البلعيشي، ناشط سياسي سبق وأن اعتقل خلال سنوات الرصاص.

Comments

comments