“حسيميات” جمال أمزيان: السفر عبر الزمن الريفي

  • 0

 (“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة عن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

المشهد الثاني 

وصلنا إلى حيث مقصدنا. وبعد استقبالنا بكل عبارات الحفاوة والاشتياق وحرارة فرحة اللقاء بالأهل بعد مدة ليست باليسيرة، وهم الذين كنا نلتقي بهم كل يوم في ما سبق، ثم بعد استراحة قصيرة مرفوقة بكأس شاي مع زيت زيتون “بلدية وحرة ” سبقتني إلى هنالك بسويعات جُلبت من سوق أحد أولاد زباير بضواحي واد امليل، ثم عبارات استحسان ذوقها وحلاوتها وضعف ثمنها بالمقارنة مع السوق المحلية، ورغم تعب السفر وانعراجات لاروكاد، استأذنت وقذفت نفسي خارج المنزل لنزهة قصيرة في أحشاء هذه المدينة حتى استكشف ما بقي مما كنت عهدته فيها حينما كنت واحدا من قاطنيها.

ساحة محمد السادس تغير اسمها مرارا وكانت في السابق حديقة خضراء (ت) جمال أمزيان

ساحة محمد السادس
تغير اسمها مرارا وكانت في السابق حديقة خضراء
(ت) جمال أمزيان

وأنا أسير الهوينا في اتجاه المكتبة ورأسي تارة مرفوعة لأتملى بواجهات البنايات، وتارة أخرى منحنية لأطل على إسفلت الأزقة التي كنت في ما سبق أرتادها يوميا باحثا عما إذا كانت ما تزال تحتفظ ببصمات خطواتي، فأستعيد بذلك زماني وحسيمتي.

أسير وأنا لست أنا. أحس أنني شخصان، الأول هو أنا الحالي، والثاني هو أنا الماضي، الذاكرة.

متجر الفلاح لبيع أجزاء السيارات حيث حل جزء منه محل السقاية العامة “سقاية فظمة مْ الآجور” التي كانت تطوف حولها الفتيات لتزويد دورهن بعصب الحياة، الماء. جنوبه متجر رشيد المهووس بالليغا والريال ما زال على عهده كأنه يأبى التغيير ويرفض التجديد، شأنه شأن مجموعة من الدور السكنية في الباريو أوبريرو، لكن وكما يبدو وحسب بعض المؤشرات فإن هذا الأمر يظل مؤقتا فقط، إذ الأموال المبيضة بعدما أدت مهمتها في وسط المدينة بدأت تزحف نحو هذا الحي العمالي في زمن الاستعمار القديم.

ساحة محمد السادس تغير اسمها مرارا وكانت في السابق حديقة خضراء (ت) جمال أمزيان

ساحة محمد السادس
تغير اسمها مرارا وكانت في السابق حديقة خضراء
(ت) جمال أمزيان

أسير نحو هدفي دون تحديد لخط سيري. أتبع رجلاي وأنا أغوص في ثنايا ذاكرتي باحثا في خلاياها وبين نتوءاتها عما بقي عالقا بها من ماضي أكاد أفقده.

أشرت بتحية للسيد رشيد دون أن أدلف إلى داخل متجره. تقدمت خطوة إلى الأمام لأجد نفسي محتارا عند زاوية يمكن أن تشكل مفترق الطريق ومفترق ذاكرة.

يسارا إذا سرت، له ماضيه وسيرورته وحاضره في تباين واضح عما إذا اخترت اليمين. في اتجاه اليسار، وعبر شارع المبرد، هكذا سموه ولا نعرف ماذا يعني هذا الاسم، إذ من غير اللائق ومن اللاأدب أن تسمى شوارع المدينة بأسماء لها دلالات معروفة.

من هذا الزقاق/الشارع الرافد لمدار ساحة 9 أبريل، ومنها إلى عصب المدينة وقلبها النابض الذي هو الميناء، أو منه في اتجاه “الساحة” التي تغيرت معالمها مرات ومرات لتتحول إلى ما هي عليه الآن. فبعد أن كانت متنفسا أخضرا لأهل المدينة تفتقت عبقرية مدبري الشأن العام للمدينة فجعلوها كمؤخرة قرد جامع الفنا ولو أن هذا الأخير، ومن كثرة السياح الوافدين على المكان، طالب بحقه في المداخيل وبدأ أصحابه يقتنون له ما يتدثر به. أما ساحتنا هذه، فتتغطى أيام المهرجانات بأفواج بشرية لا هم لهم سوى تزجية الوقت واستفزاز مشاعر الأهلين.

يمينا عبر شارع بادس، لست أدري أهي بادس المدينة المندرسة والتي دكها الاحتلال الإسباني في النصف الثاني من القرن السادس عشر، أم هي بادس الجزيرة / جزيرة غمارة التي ما يزال الإسبان يجثمون على صدرها، وللتشبث بالأرض الريفية الأم، وللتعبير عن رفضها لوضعيتها، ربطت نفسها بلسان من التراب بالشاطئ المحاذي لها، أي بالبر، بالأم، بالوطن إن كان هذا وطن فعلا. هذا المسار له نكهة خاصة، مفرحة وأليمة، محزنة ووقادة لذكريات ذات جذور متباينة من حيث عمقها في زمن هذه المدينة الرائعة يوم كانت فعلا بهذا الوصف في بساطتها وتفردها في كل شيء.

يمينا ثم يسارا، وعبر زقاق صغير يفضي إلى شارع المنصور الذهبي إذا سرت فيه سألج مثلثا “برمودا” ! مثلث برمودا خاص بي يجسد حكاية إنسان، بل لنقل كائن لأن الإنسانية راحت من زمان.

(يتبع)

 

Comments

comments