محمد السقفاتي: الحمل الوديع وقصتي (قصة قصيرة)

  • 0

بينما الآخرون في العيد كانوا ينشغلون بشحذ السكاكين لتخليص العروق من دم الذبيحة وسلخ الجلود عن لحمها، فإني أتذكر أن أعياد حياتي كانت بالنسبة لي، كلها محاولات لفصل الكبش عن العيد. كنت صغيرا. أتذكر هذا جيدا. أتذكر هذا وعمري قد وصل بي إلى نقطة مفترق الطرق في تلك القرية الجبلية النائية، على عتبة الوداع للطفولة، على عمر صغير.

محمد السقفاتي قاص وشاعر مغربي مقيم في هولندا

محمد السقفاتي
قاص وشاعر مغربي مقيم في هولندا

هنا التلة، هنا الجبل. هنا الانجراف، هنا المنحدر. هنا المسالك التي توجه إلى المراعي وهناك الطرق كلها، التي تؤدي إلى المزارع. لقد سبق لي أن تلقيت دورات تدريبية في كليهما، وأحببت أن أصير راعيا للغنم بدل مُزارع، لكن في محطة ما قبل وقوع الاختيار، وأنا أُرْسَلُ إلى مسجد القرية لتلقي دروسي الأولى في حفظ القرآن، فاجأني الفقيه بإعفائي من هذا الاختيار. لم أكن أعرف في تلك اللحظة أنه يوجد مسلك ثالث.

الفقيه كان من قام بالاختيار حين استدعى جدي ليقول له، وكأنه اكتشف شيئا ما غريبا:

– آسي الحاج، اكتشفت شيئا عجيبا عند طفلك، يظهر وكأنه ذكي جدا، لقد أتعبني وهو يمسح لوحه اليوم كل مرة، ويجبرني أن أكتب له جزءا آخر من سورة. إنه لا يتوقف إن لم أوقفه أنا. إنه يحفظ كل شيء على ظهر قلب. لطفلك ذاكرة قوية. أتركه يأتي إلى المسجد بطريقة منتظمة، إن لديه مستقبلا آخر غير مستقبل الفلاح. سيصير يوما فقيها وربما إماما كبيرا أو عالما..

بقيت أنا أذهب الى المسجد بشكل منتظم، لكن حلمي بأن أصير راعيا، لم أتركه ينفلت هكذا، وبهذه السهولة، من بين يدي. أتذكر وأنا أرافق ماشيتنا وهي ترعى، كنت أساعدها بقطف كلأُ رطب ونبات طري غير متخشب لها. وكانت بين الماشية نعجة حامل، أعجبتني ونمت بفضل اهتمامي بها علاقة خاصة بيننا، ستتوجها النعجة بإهدائي حملها لي. مولودها كان صغيرا، تعلقت به وتعلق بي إلى درجة أنه كان يرفض الذهاب مع أمه وبقية الماشية، ويحبذ البقاء معي. بقي الحمل دائما حرونا وعنيدا، حتى أعفاه عمي الراعي، وصار يتركه خلفه لي.

– ها هو، أنظر ماذا ستفعل به، لم أر مثل هذا الحب الذي بينكما في حياتي كلها، من الآن فصاعدا لن أتحمل مسؤوليته. سأقولها لجدك وسيكون هذا الكبش مسؤوليتك أنت يا فقيهنا الصغير.

‘فقيهنا الصغير’، قالها باستخفاف كبير من مهنة الفقه التي تنتظرني وهو يضرب على رأسي. كان الكبش يلازمني كل الوقت. يذهب معي حيث أذهب. وحتى إن دخلت إلى غرفة أمي لآكل، يبقى هو قرب الباب ينتظرني تماما كما كان ينتظر من كلب، ليفعل. لقد كبر الحمل مع الوقت ونمت له قرون، وصار كبشا فحلا. اكتسب شجاعة البواسل ووفاء الكلاب. اكتسب حتى مهاراتهم وهم يحمون دارنا. اكتسب ما يكفي ليدافع عني ويحول حمايتي له في الأشهر الأولى من حياته، إلى حماية منه لي. كنت أكبره سنا لكنه نما بسرعة، وها هو الآن يكبرني، يحميني من هجمات كلاب الجيران وحتى من اعتداءات أولاد أعمامي. مرة ربطته بحبل وربطت بالحبل يدي. حين رشقني ولد عمي بحجارة أصابتني في جنبي. لم يصبر الكبش، لاحقه وجرني عشرات أمتار معه. جرحت من عدة أماكن وسال دمي. لم أكن لأغضب منه ونيته للدفاع عني، صافية محضة …..

كانت علاقتنا ممتازة، فريدة من نوعها، منقطعة النظير، لكن كان هناك من لم تعجبه علاقتنا وأراد أن يوقفها ويحد منها. كي أصير فقيها، علي أن أفارق هذا الجزء من الحياة مع كبشي والمواشي… وجاءت الفرصة لهم: العيد.

كانوا مدججين بالسكاكين، وكنت أنا وكبشي مسالمين. لديه قوته، قاوم بها أكثر من سابقيه كي لا يسقط على الأرض، ثمانية أياد آدمية لذكور لم تكن لتكفي. حتى النساء شاركن في إسقاطه. والذين لم يشاركوا، شاركوا في ضربي وأنا أحاول بكل ما أملك من حدة صوتي ومن قواي الطفولية أن أحميه من همجية عائلتي وخناجرهم المشحذة…

أعرف الآن لماذا فرحتي بالعيد دائما ناقصة، كنار بدون شعلة لهب. لدي قصة، عن صدمة، عن كبش، عن محاولة حماية. قصة دفاع عن الحياة بالموت. ربما سأدونها يوما، لأنه حين كان الآخرون في العيد منشغلين بهدر حياة كبشي، كنت أنا أنزف من الداخل دما، وكان العيد يغادر روحي، بينما روح الكبش كانت تهاجر ذلك العيد من طفولتي، وتبتعد من الأعياد التي تنتظرني وتأتي مع كل دورة، دون إرادتي.

Comments

comments