“حسيميات” جمال أمزيان*: الحسيمة.. بيا سان خورخو

  • 0

(“حسيميات” سلسلة مقالات ذاتية، انطباعية يكتبها لموقع أنوال.نت جمال أمزيان، مستعيدا فيها ذكرياته الخاصة عن مدينة الحسيمة التي انتقل إليها للدراسة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وغادرها بسبب ظروف العمل منذ بضع سنوات نحو مدينة تطوان. “حسيميات” انطباعات شخصية وليست تأريخا للمدينة ولا للمنطقة).

المشهد الأول

هذه الحاضرة التي كان إسبان الاحتلال خلال عقد من القرن الفارط يعدونها ريفييرا شمال إفريقيا لجماليتها وهدوئها وأمانها وأمنها وصدقها وبساطة عيش ساكنيها وزوارها، وكذا العلاقات الإنسانية الطيبة الرابطة فيما بينهم سواء أكانوا مسيحيين أو يهودا أو مسلمين. هذا التعايش الذي تشهد عليه المقابر الثلاثة المتراصة جنبا إلى جنب قرب شاطئ صباذيا، هذا فضلا عن عمران بناياتها المتراصة وفق هندسة مزجت بين المحلي الأمازيغي وبين الإسباني القوطي في تناغم قد يصعب ملاحظة الفوارق بينهما بسهولة، ثم سحر شواطئها ومذاق منتوجات فلاحة أحوازها من القبيلتين المحيطتين بها، وأسماك جونها الممتد من رأس كيلاتيس إلى رأس مورو نويبو المطل على موضع قنت الزيت حيث الميناء الحالي. هذه المدينة التي ينعتونها جوهرة البحر الأبيض المتوسط ويسوق المتحكمون فيها حاليا بأن خليجها من أحسن الخلجان في العالم. فهل فعلا هي كما يقولون؟ وماذا تغير فيها لما أضحت في يد قاطنيها الجدد؟

جمال أمزيان<br /> مهتم بتاريخ الريف السياسي والعراني

جمال أمزيان
مهتم بتاريخ الريف السياسي والعمراني

 هل ما زالت على بكارتها أم أنها استبيحت بمن حل بها وارتحل إليها من أحوازها أو من وراء التلال، حاملا معه ثقافته ومثقلا بأهداف تتضارب وخصوصياتها التي كونتها عبر عقود من الزمن؟ إن ما ينشر عليها وحولها في العالم الأزرق وعبر بعض وسائل الإعلام يوحي بأنها لم تعد كما كانت وكما كان يبتغي أهلها، وشيء من هذا القبيل قد عايشته فيما مضى من السنين الطويلة التي قضيتها من عمري بين أحضانها قبل أن تلفظني وتدفع بي وأنا مكره خارج حدودها؟ هل جمالك الذي تبدين عليه يا سيدتي في وقتك الحاضر حقيقي أم أنك تتشابهين وتلك الغانية المحالة على المعاش؟

 مرت ثمانية وأربعين ساعة على حلولي بها بعد أن غادرتها لمدة سنة بالتمام والكمال. وأنا أقترب منها على طريق لاروكاد قادما إليها من حاضرة النوارس، بدأت خفقات قلبي تتزايد سمفونيتها واخضرار ماطورال تربة أرضها يتقلص ويزداد صفرة، وكأن الله استثناها من قسطها مما جادت به السماء مؤخرا من ماء مدرار. هي الملاحظة الأولى التي استرعت انتباهي وأنا الذي ألفت خصوصيات مجالها فيما سبق.

 لم أعر اهتماما لإشارات تحديد السرعة أو للمنعرجات الألفية التي عليها هذه الطريق التي سموها لاروكاد أو الساحلية، والتي ألفت انحداراتها وأجرافها والتواءاتها ومناظرها وشكل مداشرها ولباس أهلها. لقد كان همي الوحيد آنذاك، رغم أني ألفت وتعودت على التعامل مع الهموم، سوى دخول حاضرة الخزامى قبيل حلول الظلام لكي أتملى بمحياها مع الغسق.

شاطيء الحسيمة إبان الإنزال الإسباني<br /> www.fjavier.es/alhucemas/

شاطيء الحسيمة إبان الإنزال الإسباني
www.fjavier.es/alhucemas/

 على صوت الفقيه وهو يدعو المصلين المسلمين المؤمنين وغير المؤمنين لأداء فريضة صلاة المغرب، وصلت إلى ما كنا نسميه باب الحسيمة، أي مدخل المدينة عند محطة موبيل والتي تحولت إلى أوليبيا قبل سقوط ملك ملوك إفريقيا.

 بصراحة بدأت الأشياء من شوارع وبنايات وأزقة ودكاكين وفوضى سيارات الأجرة الصغيرة على ما عهدته في السابق وكأن الزمن توقف، لكن شيئا فشيئا بدأ يسترعي انتباهي بعض من التغير الملحق ببعض الدور، منها من تغيرت واجهاتها لتبرز على أبهة أفضل، والأخرى رابت حتى استوت مع الأرض لتحيا من جديد وبمواصفات براقة لامعة تتباهى بها أمام جاراتها.

 عند ملتقى الشارعين الرئيسين في المدينة، شارعي الملوك، وأنا واقف أنتظر الإشارة الخضراء، تغير المشهد على يميني بمنشآت جديدة حيث كان متجر باكو مارتنيس وشركة الطاباكو ونيابة التعليم والسينما الكبير. هنا في هذا المكان كان يجتمع فيه ما لا يجتمع. مكان يضم كل المتناقضات. متجر لبيع الكحوليات أو المشروبات الروحية، وشركة التبغ بأنواعه المختلفة المحلي والمستورد، الأسود والأشقر، وراءه كانت بناية نيابة التعليم المسؤولة على الشأن التربوي والتعليمي، والتي كان قد اقتطع منها جزء حُوّل إلى ناد لمتقاعدي القطاع المكلف بتكوين وتنشئة الناشئة والأطر المستقبلية. وفي مقابله كانت دار السينما الكبير، التحفة، لا من حيث شكل البناء ولا من حيث اللوحات التي كانت أسوارها مزينة بها، ولا من حيث نشر ثقافة السينما المجسدة أفلامها حياة شعوب أخرى سيما الهنود الحمر في صراعهم الأبدي والوجودي مع القادمين البيض من وراء المحيط، وهي المعلمة  التي شاهدت فيها أول فيلم في حياتي أواسط الستينيات من القرن الماضي، فيلم دجانكو.

 مشهد المكان ومورفولوجيته تغير كليا حيث حلت عمارة كبيرة محل المعلمة الثقافية، وحل مستودع للسيارات محل البنايات الأخرى مع سطح هيء على شكل ساحة للاستراحة، والتي بدأت تغزوها الأكشاك كوسيلة لحل مشكل البطالة.

هل ما زالت الحسيمة على بكارتها أم أنها استبيحت بمن حل بها وارتحل إليها من أحوازها أو من وراء التلال؟

 تاه عقلي ولم أعد إلى وعيي إلا على صفارات سائقي السيارات ورائي، وهي عادة جد محمودة لديهم، إذ بمجرد ما يتغير لون إشارة المرور حتى تبدأ العملية دون إبطاء ولو ثانية واحدة، وهذا مظهر من مظاهر التقدم والتمدن بمفهومه المقلوب.

 مقهى مرحبا أقفلت بعد أن أعيدت تهيئتها من جديد منذ وقت قصير، تلك المقهى التي كانت وبالا على كثيرين من شباب المدينة خلال ما غدا يعرف في الأدبيات السياسية المغربية بسنوات الرصاص لما كانت الفضاء المفضل للقاءاتهم، المقهى التي كنا، ونحن في داخلية ثانوية أبي يعقوب البادسي، من روادها ليلا بعد شبه وجبة عشاء نلهي بها أمعاءنا، نحن أولاد البادية، لمشاهدة المسلسلات اللبنانية ومنها عازف العود، إلى جانب طارزان وزوجته جينا وفيله سمبا وقرديه. طارزان حارس أدغال إفريقيا من المعتدين الأوربيين والباحثين عن الكنوز الإفريقية، وهي الإبداعات التي كانت تدغدغ مخيلتنا وتسرح بنا ذاكرتنا ونسعى إلى التشبه به حين عودتنا إلى قرانا أثناء العطل المدرسية، حيث لا تلفزة ولا كهرباء ولا مياه صنابير، فنجتمع بالذين لم تسعفهم الظروف بأن يكونوا كما كنا، وكانت مسامراتنا حول ما نحكي لهم عن المدينة والشوارع والفتيات الأنيقات اللائي يلبسن الميني والأوربيات الوافدات من الضفة الشمالية للبحر المتوسط وخاصة من سويسرا على فندق كيمادو وينزلن إلى الشاطئ بالبيكيني، واللائي ساهمن في هجرة عدد من شباب المدينة إلى فرنسا الجنوبية أو إلى سويسرا الفرنسية، إلى جانب نادي البحر الأبيض المتوسط المساهم هو أيضا في هذه العملية.

* يتبع

Comments

comments