محمد أمزيان: إعادة كتابة التاريخ .. ترميم لمتاهات الذاكرة الجماعية: قراءة في كتاب منطقة الحسيمة

  • 0

بروكسيل – لماذا يستهوينا الهوس لإعادة كتابة التاريخ؟ سؤال لطالما طرحته على نفسي وأنا أُقلِّب صفحاتٍ مبتورة من تاريخنا. وحينما يُهم المؤرخ أو المدون الجامع لشتات الذاكرة الجماعية المفتونة بغريزة البقاء والخلود، بالتفكير في “إعادة” كتابة حدثٍ ما، حقيقيٍ أو مُتخيَّل، فهذا يَفترض ضمنيا وجود “شيئ” ما قد كُتب؛ شيء ما قد حدث بالفعل على مسرح الحياة، أو تمنينا لو حدث كما تخيلناه.

هناك دائما صورة ناقصة نبحث لها عن كمال، وفي طريق البحث نحطم الصور النشاز، الصور القبيحة، الصور الميتة. الذاكرة الجماعية تأبى الموت وتبحث دائما عن مقومات البقاء. ثم نمضي في اقتفاء آثار “الحقيقة” – “حقيقتنا” الخاصة – المتوارية خلف الشذرات العابرة للأزمنة والأمكنة. ننفخ فيها من روحنا، من ذاتيتنا الفردية وهوسنا وغريزتنا في البقاء والخلود. أتحتاج إعادة البناء إلى تحطيم ما سبق بهدف خلق شيء نعتقده جديدا؟ كتابة التاريخ عملية خلق متجددة.

مناظر خلابة من منطقة الحسيمة

مناظر خلابة من منطقة الحسيمة

كتاب الأستاذ المفتوحي أحمد بوقرب يفتح أمامنا منافذ متشعبة نحو مجاهل ظلت لزمن طويل بعيدة عن المستكشفين والمؤرخين والمدونين ومغامري الكتابة. وفي غمرة عمليات الحفر والتنقيب، يستعين الباحث بآليات درج المؤرخ المقيد بصرامة المنهج على تجاهلها، مثل الذاكرة المحكية، الأدب الشعبي، عادات وتقاليد ما قبل المدينة وغيرها من عناصر شتتها ما يدرج على تسميته بالبحث الميداني المتخصص. ولعل التكوين الأدبي للباحث، بعيدا عن صرامة المنهج التاريخي عند المؤرخ المحترف، هو ما جعله يحلق بحرية في فضاءات متعددة وغنية، قاطفا من كل بستان زهرة، ليعيد تشكيل حديقة خاصة به.

إلا أن هذه الطريقة لا تخلو من مخاطر، لكونها تفتح الشهية دون أن تقدم “وجبة” متكاملة رغم أن فيها من الدسم ما يكفي. فأمام الكم الهائل من المعلومات والمعطيات التي اقتفى آثارها من منابع مختلفة، نتساءل في مواضع كثيرة: أين لمسة المؤلف؟ أين رأيه ورؤيته الخاصة؟ أما كان عليه أن

يضعنا الباحث في حيرة: هل للمجال هوية مستقلة عن هوية الإنسان؟ وأي وطن يرتبط به هذا المجال؟ هل هو الوطن المغربي أم المغاربي أم العربي أم الإفريقي أم الإسلامي؟ ومن يكون هذا الآخر؟ هل هو الإنسان غير الريفي؟

يقدم للقارئ معالم الطريق نحو الصورة الكاملة التي يروم تقديمها؟

في الكتاب كثير من التشابك بين الأزمنة والأمكنة، وفيه كذلك عددا من النصوص النادرة وضع لها المؤلف أسسا جاهزة للتشييد، لكنه لم يمض بعيدا حتى يتمم عملية البناء والنحت والتركيب. على سبيل المثال لم أخرج بتعريف واضح ومقنع لمصطلح “الوطن”، ولم أتبين حدود الريف ولا المنطقة التي جعلها موضوعا لدراسته (بقوية)، ولا من يكون سكان المغرب الأولون عموما وسكان الريف خصوصا؟ ويقول في هذا الموضوع تحديدا، (ص. 41): “اختلف المؤرخون في تحديد مراكز التواجد الأمازيغي الأول ومولده واستقراره وانتشاره، وجاءت آراؤهم متباينة حسب تباين أيديولوجية وأهداف كل واحد منهم. لهذا سأنقل بعض الآراء المتضاربة وللباحث المختص اختيار أصلحها”. هل الكتاب موجه فقط للباحث المختص؟ وفي مكان آخر من الجزء الأول يأتي على ذكر رأيين متناقضين دون أن يناقشهما حتى تتبين مكامن الخلل أو الصواب بين رأي وآخر. يقول في الصفحة 113 (ج.1) متحدثا عن مسألة تدوين النصوص الأدبية الأمازيغية، وبعد أن أتى على ذكر أمثلة من تلك النصوص: “إذن فقد تبين بوضوح أن الأمازيغية لم تكن لغة شفاهية فحسب، بل كانت لغة تدريس وكتابة، كانت لغة لها قواعدها وصرفها ونحوها ومعانيها، ولعبت أدوارا طلائعية في الحفاظ على الموروث الثقافي الأمازيغي”. وفي نفس الصفحة وبعد جمل معدودات، يأتي برأي معاكس تماما: “وعندما نبحث في “المصادر والمراجع التاريخية يتخيل المرء نفسه أمام كم هائل من النصوص .. ومع ذلك لا نجد بين هذه الأخبار والإشارات نصا مكتوبا أو أثرا مدونا لاعتماد الشفوية في التداول بين الناس خطابا وإنشاء، فتلاشت تلك النصوص المعلن عنها بمرور الأجيال”.

لا أدري إن كان الباحث تعمد ترك أبواب الخيارات مفتوحة أمامنا واحتفظ برأيه الخاص لنفسه، أم أن منهجية الكتاب هي التي اقتضت ذلك على اعتبار أن الكتاب تدوين لشظايا الذاكرة الريفية قبل أن تتشظى أكثر ويطالها النسيان والضياع. أم أنه آثر السلامة مما زاد بعض الأمور الغامضة غموضا وبعض القضايا المقعقد تعقيدا. فلماذا فعلت فينا كل هذا؟

كنت أود أن أتعرف على رأي الكاتب الباحث في قضايا شديدة الأهمية مثل الهوية، الوطن، الإنسان الريفي، العلاقة مع المركز، الجهة، وما إلى ذلك من قضايا يوحي بها عنوان كتابه. كنت أتمنى كذلك أن يناقش الباحث الآراء المتباينة حول هذه القضايا ويرجح رأيا على آخر ليقدم تصوره الذي يريدنا أن نقرأه وندرسه للأجيال القادمة. ألم يدعونا في الكتاب إلى ضرورة “إعادة كتابة التاريخ”؟

وحتى لا أبدو قاسيا من خلال هذه الملاحظات والمآخذ السريعة، فإنني أبادر إلى التأكيد على أن هذا الكتاب الذي يسعدني تقديمه لكم، يعد مفخرة لكاتبه أولا، ولأبناء المنطقة ثانيا ولعموم المغاربة ثالثا، لما بذل فيه من مجهود التقفي والجمع والتدوين، وهو مجهود يحتاج بالتأكيد إلى متابعة متأنية وتدقيق وتمحيص أكثر من قبل الباحثين الآخرين.

عنوان الكتاب: “منطقة الحسيمة عبر التاريخ”، مع عنوان فرعي: “مساهمتها في بناء الحضارة المغربية”. وجاء الجزء الأول تحت عنوان: “هوية المجال وارتباطه بالوطن وعلاقاته بالآخر”. وهنا يضعنا الباحث مباشرة في حيرة: هل للمجال هوية مستقلة عن هوية الإنسان؟ وأي وطن يرتبط به هذا المجال؟ هل هو الوطن المغربي أم المغاربي أم العربي أم الإفريقي أم الإسلامي؟ ومن يكون هذا الآخر؟ هل هو الإنسان غير الريفي؟ أم هو الأمازيغي مقابل العربي؟ أم البقيوي مقابل الورياغلي؟ الكتاب بصفحاته التي تجاوزت 400 صفحة، لا يقدم أجوبة كافية عن هذه الأسئلة، بل أكثر من ذلك يضع القارئ أمامنا كما هائلا من المعطيات “الخامة”، وكأنه يقول لنا: خذوا ما ترونه صالحا لكم واتركوا الباقي لغيركم!

أما عنوان الجزء الثاني فجاء تحت عنوان: “الثورة الريفية ونشأة مدينة الحسيمة”، ويضم هذا الجزء 323 صفحة، وهو الجزء الذي شد انتباهي أكثر لكونه يحوي معلومات قيمة عن مدينة لا أعرف عنها سوى اسمها وبعض ملامحها الضبابية دون أن أقف يوما على تاريخها القصير مقارنة مع المدن والحواضر الأخرى.

منذ الصفحة العاشرة يطرح الباحث سؤالا أصبح بديهيا ومكررا عند الباحثين في التاريخ: “لماذا إعادة كتابة تاريخ المغرب”؟ كنت أنتظر أن يسأل: لماذا إعادة كتابة تاريخ الريف ما دام الكتاب يهتم بمنطقة الحسيمة تحديدا؟ ثم يجيب مباشرة، مشددا على ما يسميه “محفزات موضوعية تستفز فكرنا”، وهذه المحفزات المستفزة يحددها الباحث في نقط  أراها جريئة منها: “تزييف التاريخ والوقائع وإظهار مرحلة على حساب مرحلة أخرى أو شخصية على أخرى”، ثم “اعتماد تحقيب تاريخي غير موضوعي (تحقيقب ديني، سياسي، أيديولوجي)، ثم “إهمال المؤرخين المغاربة والمسلمين إهمالا يكاد يكون تاما لفترة ما قبل الإسلام …” وغيرها من النقط التي تصب كلها في مصب ضرورة إعادة الكتابة لتاريخ المغرب (أو تاريخ المنطقة المدروسة). ثم يمضي الكاتب إلى رصد شيء آخر لا يقل أهمية، ألا وهو “تغييب البعد الأمازيغي” في ما دون وكتب حتى الآن، في نظر الكاتب، “مما جعل طفلنا اليوم يعيش حالة اغتراب مستمر عن ذاته بسبب ما نقدمه له من دروس تاريخية من حضارة غير حضارته وثقافته”. (ص. 11). وهذا ما “يستدعي إلغاء كل الكتابات التي تفصل مغرب ما بعد الإسلام عن مغرب ما قبله والبدء في كتابة تاريخ جديد متكامل وموضوعي، بعيدا عن الإقصاء العرقي”. (ص. 11).

هذه هي الرسالة إذن باختصار: “إلغاء كل الكتابات….” لكن هل تستدعي إعادة كتابة التاريخ فعلا “إلغاء كل الكتابات”؟ لا بد من التأكيد على أن الكاتب ليست له نظرة ارتيابية نحو الكتابات الأجنبية فحسب، بل وأيضا نحو الكتابات العربية المشرقية، لأن المشارقة عبر التاريخ لم يكتبوا عن المغرب إلا “تواضعا منهم لإحساسهم بالتفوق” (12). أما الكتابات المغربية فقليلة وضعيفة. بيد أن الكاتب نفسه، وبعد دعوته إلى “إلغاء كل الكتابات”، لم يفعل سوى تجميع “كل الكتابات”: أجنبية، عربية، مغربية ومحلية.

بناء مدينة الحسيمة وتطورُها إلى حاضنة للعمران الحديث وللتمازج العرقي والثقافي، هو أكثر الفصول إثارة للعواطف، خاصة وأن الباحث استقى كثيرا من مادته الخامة من أشخاص عاشوا المرحلة وعايشوها بوجدانهم وأحاسيسهم، سواء أكانوا ريفيين أو إسبانا. كما أنه وثق بعض الأسماء التي لعبت أدوارا طلائعية خلال فترة نشوء المدينة وارتقائها، أو خلال مرحلة “الاجتثاث” كما يسميها الباحث؛ اجتثاث ثقافي، عمراني، إنساني وعاطفي أيضا. هل أوقعنا الكاتب في شباك “النوستالجيا”؟ قد يكون الأمر كذلك، إلا أنني أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك، خاصة وأن مدينة الحسيمة التي عرفت ذلك التلاقح العرقي والتمازج الثقافي في فترة لم تتجاوز ثلاثين سنة فقط، كان يمكن لها أن تواصل قيامها بدور التواصل الثقافي بين الضفتين، المغربية والإسبانية في  ما تلا من عقود، لولا ذلك الاجتثاث الأهوج، والذي ما يزال مستمرا وممنهجا حتى الآن مع الأسف.

بروكسيل، 11 أبريل 2015

Comments

comments