منهج جديد في دراسة القرآن: “الرسالة في الوسط”

  • 0

ميشيل هوبينك-إذاعة هولندا العالمية- الرسالة الجوهرية للقرآن هي رسالة للسلم والتسامح الديني، وليس للجهاد العنيف. هذه هي الخلاصة الأولية التي توصل إليها الباحث الأمريكي كارل أرنست. وبنى أرنست استنتاجاته على اكتشافه في القرآن لأسلوب أدبي عريق، يـُعرف بـ “الإنشاء الدائري” أو “الحلقي” (‘ring composition’ ).

الجهاديون واعداء الإسلام

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، أصبح القرآن موضوعاً للجدل في محتلف أنحاء العالم. هناك طرفان في هذا الجدال: الإسلاميون الجهاديون، والمعادون للإسلام من الغربيين وغيرهم، يتفقان على فكرة واحدة، وهي أن الكتاب المقدس للمسلمين يحث على القتال والعنف ضدّ “الكفار”، بينما يقف في الجانب الآخر المسلمون الليبراليون والمعتدلون، ومن يتضامن معهم من الغربيين، مؤكدين على أن القرآن يحثّ على السلم والتسامح.

في كتابه “كيف نقرأ القرآن”، يقدّم عالم الإسلاميات الأمريكي كارل أرنست، “أدلة تاريخية مقنعة”، تثبت أن الحق مع التفسير الليبرالي. طريقته الجديدة في دراسة القرآن كنص أدبي، تـُظهر أنّ الرسالة المحورية فيه هي التسامح الديني وليس الجهاد العنفي.

الإنشاء الحلقي
بالتعاون مع عدد من الباحثين، توصل أرنست إلى أن بعض السور القرآنية، تعتمد على الأسلوب الأدبي المعروف بـ “الإنشاء الحلقي” أو “الدائري”. يقول أرنست: “إنه أسلوب أدبي معروف في شعر ما قبل الإسلام وكذلك في النصوص القديمة في ثقافات أخرى، حيث هناك تناضر بين مطلع الفقرة وخاتمتها”. في هذا الإنشاء الدائري، يكون هناك تناظر بين السطر الأول والسطر الأخير، وكذلك بين السطر الثاني والسطر ما قبل الأخير، وهكذا. “ما يميز الإنشاء الحلقي”، يقول أرنست “أن السطر الاوسط في الفقرة هو الذي يكشف المعنى المراد إيصاله.” وبناء على دراسته لعدد من سور القرآن، يستنتج الباحث الامريكي أن الفكرة المركزية فيها هي فكرة السلم والتسامح.

التناقض بين الآيات
القرأن ليس كتاباً سهلا للقراءة. في كثير من الأحيان تتسم نصوصه بالغموض، وبنيته باللانظام، ولا يتبع ترتيبه التسلسل الزمني لنزول السور والآيات. يتضمن القرآن أيضاً العديد من العبارات التي تبدو متناقضة. هناك آيات معينة، مثل تلك المعروفة باسم “آيات السيف”، تدعو بوضوح إلى القتال والعنف ضدّ الكفار: ” وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ”. لكن آيات أخرى تؤكد على تعدد الأديان، وتحث على التسامح.

التفسير التقليدي لهذه التاقضات، هو أن الآيات المتأخرة زمنياً “نسخت” الآيات المتقدمة عليها. وهذه الطريقة في التفسير تصب غالباً في صالح تثبيت مضمون الآيات الداعية إلى العنف وإلى اضطهاد المخالفين دينياً.

الناسخ والمنسوخ
يرى الباحث الأمريكي كارل أرنست أن هذه الطريقة التقليدية في التفسير والتي تـُعرف باسم “الناسخ والمنسوخ”، غير مقنعة، ويتساءل: “إذا كانت الآيات الأقدم قد ألغيت، فلماذا تبقى مثبتة في النص القرآني؟” في مقابل ذلك يرى ارنست ان التناقضات في بعض النصوص ناشئة عن اختلاف الظروف التي عاشها المسلمون الأوائل. ولكن عندما ننظر إلى الكتاب بعد أن اكتمل وأخذ شكله النهائي، وندرس نظامه الداخلي، نكتشف أنه في النهاية يعطي الأولوية لأفكار التسامح وليس لأفكار العنف.

قام ارنست بدراسة وتحليل “سورة الممتحنة”، وهي سورة تتضمن أكثر من غيرها آيات تبدو متناقضة في فحواها، حول مسألة التسامح الديني. الآيات التي تقدم في البداية وفي النهاية تنتمي إلى آيات الجهاد العنفي ضد الكفار. لكن الآية الوسطى تحمل رسالة مختلفة تماما: “عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.

سورة المائدة
الباحثان الأمريكي رايموند فارين، والبلجيكي ميشيل كويبرس، أثبتا بالطريقة نفسها أن سورتي “البقرة” و “المائدة” تعتمدان أيضاً أسلوب “الإنشاء الدائري”. ففي وسط سورة “المائدة” نجد الآية التي طالما استشهد بها المسلمون المدافعون عن التسامح الديني:
“لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.”

ما زال من المبكر، حسب كارل أرنست، القول بأن “الإنشاء الدائري” هو الأسلوب المهيمن في القرآن. لكن الدراسات الجارية تعد بالكثير: “الباحثة الألمانية انجليكا نيوبيرخ أثبتت أنه يمكن ملاحظة الإنشاء الدائري، والاساليب الأدبية القريبة منه، بكثيرة في السور المكية المبكرة زمنياً.”

ردود إيجابية
في الغالب لا تحظى دراسة القرآن كنص أدبي بالقبول في الأوساط الإسلامية، لأنها توحي بأن القرآن من تأليف البشر. لكن حتى الآن لم يتلقَ كارل أرنست سوى اعتراضات قليلة جدا من الأوساط التقليدية، يقول: “في الحقيقة هناك اهتمام واسع بهذا النقاش بين المثقفين المسلمين. وقد تلقيت حتى الآن ردوداً إيجابية.”

*المصدر: www.hunaamsterdam.nl

Comments

comments