أفكار حول شخصية الأمير الخطابي وثورته التحررية

  • 0

جمال أمزيان – أنوال.نت/ حسب ما توفر لدينا من معطيات تاريخية، انطلاقا مما كتب، سواء نشر أم لم ينشر، وكذا ممن التقينا بهم، البعض منهم عايش وقائع الريف وساهم فيها بشكل أو بآخر، والبعض منهم كانوا زمنيا قريبين من الحدث التاريخي وأخذوا بالتالي عن الفئة الأولى المشارا إليها سابقا، فإن قضية زعامة ابن عبد الكريم وقيادته للثورة لم تأت بشكل فجائي، ولا كان حوله إجماع من طرف مختلف شرائح المجتمع الريفي آنذاك، سيما وأننا نعرف أن المنطقة كانت تعيش نوعا من الاضطراب وضعف الأمن، وهي الحالة التي تطلق عليه الكتابات التاريخية مرحلة الريفوبليك.

 القضية الأولى

أعتقد أن زعامة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي وبروزه كشخصية وازنة وقادرة على أن تحقق الإجماع حولها والذي تم فعلا في مؤتمر ارقامث، جاءت كنتيجة لعدة عوامل منها:

- مكانة الأسرة الخطابية وسط المجتمع الريفي كأسرة عالمة، مثقفة، ذات نفوذ معنوي كبير وسط باقي الأسر الورياغلية خاصة والريفية على العموم. وهي الأسرة التي شكلت المدرسة الأولى للأمير محمد بن عبد الكريم وأخيه السي امحمد وعمهما عبد السلام.

- الاطلاع على الوضعية الداخلية بالمغرب وما وصلت إليه من انهيار وضعف جعلها فريسة سائغة للقوى الأجنبية المتنافسة حول البلد، وهذا لما قصد فاس للدراسة بجامع القرويين، أو كمبعوث لأبيه إلى السلطة المركزية، ثم لما قصد تطوان بعد إحراق منزل الأسرة لمرتين.

- الاطلاع الواسع على مجريات الأمور، ليس على المستوى المحلي فقط، بل وعلى المستوى العالمي. وبالطبع هذا الاطلاع ناتج عن الاحتكاك بمجريات الأمور حينما كان بمليلة، معلما، وقاضيا وقاضي القضاة، وصحفيا محررا بجريدة تلغرامة الريف، ومعايشة أكبر حدث تاريخي خلال العقد الثاني من القرن العشرين، وأعني الحرب العالمية الأولى وتداعياتها.

- جولاته في ربوع الريف وأسواقه بعد وفاة أبيه حاثا الأهالي على جمع الشمل وتجاوز الضغائن والأحقاد وأخذ الثأر، والسعي إلى توحيد القوى والرأي وتوجيههما نحو العدو الخارجي الذي يهدد كيانهم وثوابتهم، العرض والأرض والحرية والاستقلال، معتمدا في ذلك على ثقافته الدينية الواسعة. وفعلا سيتمكن من خلق نوع من التلاحم والوحدة والتآخي بعد استصدار مجموعة من القرارات والقوانين في هذا الإطار والتي بواسطتها تم القضاء على المناوئين من أصدقاء إسبانيا، والكتابات في هذا الموضوع موجودة.

- رفض عبد الكريم الأب حضور الاجتماع الذي دعت إليه الإقامة العامة بتطوان والمنعقد بجزيرة النكور في سنة 1919 لإجبار أصدقاء إسبانيا على الوفاء بالتزاماتهم لتسهيل عملية التوغل، وهو الاجتماع الذي صرح خلاله الجنرال سلفستري بأن الصندوق الذي كان يغدق منه عليهم قد غدا فارغا، فإما الوفاء بالالتزام والسماح للجيش الإسباني بالتقدم إلى الريف الأوسط بعد أن أخضع قبائل الريف الشرقي، وإما الانخراط في الجيش الإسباني للحصول على الدعم المالي، وإما التفرغ للأعمال الفلاحية وترك الجيش الإسباني يقوم بعمله دون مناوشات ولا اعتراضات. وبالطبع كان لموقف عبد الكريم هذا صدى لدى التيار المعارض للوجود الإسباني في الريف مطلقا، وهذا ما أكسب للأسرة دعما في موقفها والذي سنوضحه في القضية الثالثة المتعلقة بالعمالة.

- بعد التوغل الإسباني انطلاقا من الناظور ثم ادريوش، ثم التقدم إلى منخفض أنوال على الحدود بين أيث أوليشك وتمسمان، انتقل مركز رباط المجاهدين من تفرسيت إلى جبل ارقامث، المقابل لدهار أبران، اجتمع المجاهدون من أيث ورياغل وانتخبوا أو عينوا الفقيه محمد بن عبد الكريم زعيما لهم وقائدا لهم فيما هم مقدمون عليه من التصدي لأي محاولة توغل إسبانية في اتجاه الريف الأوسط.

هكذا يمكن القول بأن طريق ظهور الأمير محمد بن عبد الكريم كزعيم وكقائد فُرضت الحرب عليه وعلى الريفيين لم يكن مفروشا بالورود.

القضية الثانية

أعتقد أن اتهام ابن عبد الكريم بالعمالة لإسبانيا قبل أن ينقلب عليها ويقود ثورة أهل الريف ضد الهيمنة الإسبانية، ثم الإسبانية الفرنسية فيما بعد حتى نهايتها سنة 1926، فيه نوع من التعسف والإجحاف وعدم الفهم لشخصية الأمير ولوالده، وتفنده مجموعة من المعطيات التاريخية، منها:

أولا: سواء عبد الكريم الأب أو الابن لم يكونا رجلين متعطشين للحرب، بل كانا دائما يجنحان إلى السلم، وحتى دورهما ومكانتهما الاجتماعية في قبيلة أيث ورياغل توضح ذلك. فالأب كان فقيها وقاضيا. وأعتقد أنه من صفات القضاة هو السلم والوئام والإخاء والمودة بين الناس. وكذلك كان الابن حين مارس هذه المهام بمدينة مليلة، بل وتشير  بعض الدراسات إلى نفورهما من السلطة.

ثانيا: إذا نظرنا إلى المجتمع الريفي آنذاك، وعلاقته مع إسبانيا التي كانت توظف عدة وسائل لتسهيل مأموريتها بالريف قبل أن تقرر الغزو العسكري، هذا المجتمع، وفي إطار هذه العلاقة، كانت تتوزعه ثلاث تيارات. الأول رافض لأي اتصال وعلاقة مع إسبانيا وموقعها المحتل منذ 1673، وأعني جزيرة النكور المحاذية لشاطئ صفيحة. والثاني يشكله أصدقاء إسبانيا الذين كانت تغدق عليهم الأموال لتمهيد المنطقة وتسهيل عملية إخضاعها دون قتال. وهؤلاء فعلا سيسعون إلى تحقيق هذه الأمنية الإسبانية، لكنهم سيفشلون لفشلهم في جر عبد الكريم الأب إلى صفهم. والموقف الثالث كان يشكله عبد الكريم الأب. فمنذ بداية القرن العشرين واتفاقية الجزيرة الخضراء ومعاهدة الحماية ومقتل الشريف محمد أمزيان البويفروري، كان مقتنعا بأن إسبانيا، ووفق الاتفاقيات التي تربطها مع فرنسا وإنجلترا، وموقع الريف الجيوستراتيجي، ستبذل كل ما أوتيت من قوة من أجل إخضاع الريف. وبحكم اختلاف موازين القوة العسكرية وما ينخر الريف من صراعات وتشتت، فإن المنطقة لا محالة ستخضع في النهاية. وبذلك فالمتوجب هو التفكير في نوع هذا الخضوع. هل هو كليا وبالتالي فقدان الحرية والاستقلال والكرامة ومكونات الهوية والثوابت؟ أم أنه سيكون نوعا آخر من الخضوع على شكل تعاون اقتصادي وثقافي في أفق تنمية الريف وتحديثه وإلحاقه بالركب الحضاري الذي وصلته الأمم المتحضرة؟ بمعنى آخر ليس هناك رفضا مطلقا للتعامل مع الأمم ومنها إسبانيا، لكن شريطة الحفاظ على الحرية والسيادة. أي هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في هذه العلاقة التي يمكن إقامتها مع إسبانيا. وهي الخطوط التي أوصى بها عبد الكريم الأب قبل وفاته ابنه لما استدعاه من مليلة، كما استدعى أخاه من إسبانيا. وفي هذا الصدد يذكر أنه قال لهم:« إذا لم تستطيعوا الحفاظ على حرية الريف وسيادته واستقلاله، فمن الأفضل أن تهاجروا من هذا البلد.»

بل هي نفس الخطوط التي رفضها فيما بعد المبعوثون إلى مؤتمر وجدة للتفاوض حول السلم، إذ اقترح عليهم إعطاء منصب الحاكم للأمير مقابل الاعتراف والإقرار بالحماية الإسبانية.

 أما هذه الأخيرة، فكانت ترى في شخصية عبد الكريم الأب، وبحكم نفوذه الاجتماعي والعلمي والثقافي في القبيلة، عنصرا لا يمكن تجاوزه، وحجر الأساس في سياستها في الريف. وفي محاولة الاستقطاب، قبلت عبد الكريم الابن في مليلة، وأخيه في مدريد من أجل الدراسة، وعمهما كتاجر بجزيرة النكور.

من خلال ما سبق، يظهر أن كلا الطرفين له مصلحة في الآخر، وهي مصالح متباينة، ويظهر أن عبد الكريم الأب، ثم الابن، كان ينظران إلى مستقبل البلد وليس إلى المصلحة الذاتية الضيقة كما كانت لدى الأصدقاء الفعليين لإسبانيا. والقائلون بالعمالة يجمعون الجميع في سلة واحدة.

القضية الثالثة

تتعلق بموقف اليسار الاشتراكي والشيوعي، سواء الفرنسي أو الإسباني من حرب الريف. ذلك أن هذه الحرب وضعتهما أمام اختبار حقيقي. فهما معا اتفقا مبدئيا على مناهضة النزعة العسكرية لهذه الحرب، ونددا بها باعتبارها توسعا إمبرياليا. غير أن المواقف المعبر عنها تباينت فيما بينها.

فالحزب الاشتراكي الإسباني طالب حكومة بلاده بالانسحاب من المغرب، وهذا يعني ضمنيا الاعتراف باستقلال الريف، بينما الحزب الاشتراكي الفرنسي اقتصر فقط على المطالبة بمنح استقلال ذاتي لقبائل الريف وربطها باتفاقيات اقتصادية كحرية التجارة مع المنطقة الفرنسية. وهذا الاختلاف ناتج عن وقع المعارك التي خاضها الريفيون بقيادة الأمير على البلدين: أي فرنسا وإسبانيا التي تلقت ضربات قاسية في كل المعارك التي خاضتها ضد مجاهدي الريف، فاعتبر بذلك الحزب الاشتراكي الإسباني أن لا مخرجا مشرفا لإنقاذ الجيش والاقتصاد من الانهيار إلا الانسحاب.

بالنسبة للحزبين الشيوعيين في البلدين فقد نددا فعلا وبشدة بالظاهرة الإمبريالية، غير أن النتائج والتأثير كان محدودا. لماذا؟

لأن الحزب الشيوعي الإسباني كان وضعه جد معقد. فبعد ولادة عسيرة، كما يذكر أحد الباحثين، وبعد أن بدأ يظهر كحزب ثوري، أمام الطبقة العاملة، اضطر إلى العودة إلى العمل السري بعد أن صعدت الديكتاتورية العسكرية إلى الحكم بإسبانيا.

في حين كان الحزب الشيوعي الفرنسي والذي رفع شعارات تطالب بضرورة ترك المستعمرات تقرر مصيرها، فكان  ذو موقف متحمس ومتضامن مع الثورة الريفية، أولا نكاية في الاشتراكيين الذين تحالفوا مع الحكومة البورجوازية المستغلة للطبقة العاملة حيث يقول ترانت treint في اجتماع لونا بارك Luna Park  بتاريخ 19 ماي 1925 : « إن الاشتراكيين حلفاء الراديكاليين يخونون الطبقة العاملة ويخدمون مصالح بنك باريس والأراضي المنخفضة، بذهابهم لسحق الريفيين ومحاولتهم السيطرة على كل شمال المغرب.»

وثانيا اعتبار ثورة الريف كحركة فلاحية شعبية قامت ضد الهيمنة الرأسمالية. وفي هذا الإطار تورد البرقية التي أرسلها دوريو وبيير سيمار إلى عبد الكريم في الأسبوع الأول من شهر شتنبر 1924 ما يلي: « تحيي المجموعة البرلمانية واللجنة المسيرة للحزب الشيوعي واللجنة الوطنية للشبيبة الشيوعية الانتصار الباهر للشعب المغربي على الإمبرياليين الإسبان. وهي إذ تهنئ قائده العظيم عبد الكريم، تتمنى بعد هذا الانتصار النهائي على الإمبريالية الإسبانية أن تواصل، وبالتعاون مع البروليتاريا الفرنسية والأوربية، النضال ضد جميع الإمبرياليات، بما فيها الإمبريالية الفرنسية، حتى التحرير الشامل للتراب المغربي. عاش استقلال المغرب! عاش النضال الأممي للشعوب المستعمَرة وللبروليتاريا العالمية!» (Histoire du Parti Communiste ). فهل أثرت هذه البرقية على عبد الكريم أم لا؟ ليس هناك ما يشر إلى ذلك رغم تشكيل لجنة مع ارتفاع حدة المعارك وإرسالها إلى الريف للاطلاع على حقيقة ما يجري هناك، وهي اللجنة التي فشلت في محاولة عبور الحدود نحو الريف انطلاقا من الجزائر، لكن تأثيرها داخل فرنسا كان قويا لكونها أثارت عدة نقاشات داخل البرلمان الفرنسي، بل واتهم أصحابها بالخيانة ومحرضي التمردات في ممتلكات الإمبراطورية الفرنسية.

وثالثا اعتبار هزيمة فرنسا، إذا ما حدثت، بعد دخولها في الحرب، هي هزيمة للإمبريالية كلها.

 عموما يمكن القول بأن مواقف اليسار الإسباني والفرنسي، بجناحيه المعتدل والثوري من مسألة حرب الريف بالخصوص، كانت تستند إلى خلفية إيديولوجية معادية للإمبريالية.

وكخلاصة أشير إلى قضية أخرى تتعلق بالتسيير وتنظيم الثورة. فأعتقد أنه يجب الفصل بين القضايا المصيرية التي تهم ثورة الريف التحريرية، وبين ما هو تنظيمي إداري. فالقضايا المصيرية كان دائما يحتكم فيها إلى مجلس الأعيان ولا يأخذ فيها الأمير أي قرار إلا بعد الاستشارة، تمشيا مع مبدأ الشورى وثقافته الدينية الإسلامية. أما المتعلقة بالتسيير، فكان الأمير يمارس فيها مسؤولياته التي يخولها له الميثاق والرباط الذي يربطه بمنتخبيه بالمفهوم الحالي في تدبير شؤون الجماعة.

Comments

comments