“شعب عبد الكريم” كما تراه كاتبة هولندية

  • 0

محمد أمزيان* – عاب علي بعض الأصدقاء انتقادي، على جداري في الفيسبوك، لكتاب أصدرته الصحفية الهولندية سيتسكه  دي بور تحت عنوان: “شعب عبد الكريم، حاضر وتاريخ الريف المغربي”. كثير من الريفيين كانوا يترقبون صدور هذا الكتاب الذي أخذ من الكاتبة وقتا ليس بالقصير، بل ودفعها للإقامة في الريف (السواني – الحسيمة) لسنوات عديدة متنقلة بين أرجائه الجبلية والسهلية حتى أصبحت “خبيرة” في الريف وفي طبائع سكانه وتاريخه أيضا على ما يبدو.

ومع أنه لا يمكن إنكار ما قامت به سيتسكه دي بور من جهود في سبيل التعريف بالمنطقة “سياحيا”، إذ نشطت في استقدام سياح أجانب، وتنظيم جولات لهم  في مناطق الريف النائية، وخاصة بين جنبات “المنتزه الوطني”، وذلك بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والسكان المحليين، إلا أن كتابها عن تاريخ عبد الكريم فشل، من وجهة نظري، فشلا ذريعا في رسم صورة أقرب إلى واقع “شعب عبد الكريم”، أي الريفيين، كما هم في واقعهم لا كما تريد هي أن يكونوا.

ملاحظاتي “السلبية” سجلتها على هوامش صفحات الكتاب أثناء قراءتي له ووضعت بعضا منها على حائطي في الفيسبوك. وبما أن الكاتبة كانت “صديقتي” على هذه الصفحة الافتراضية، فقد اطلعت على ما كتبته وعلقت بدورها مبدية استغرابها مما اعتبرته هجوما عليها. والواقع أنني لم أهاجمها هي، وإنما أبديت ملاحظات “أولية” عن كتاب صدر ويباع في الأسواق. وحتى أزيل اللبس فإنني أعرف الكاتبة أيضا خارج العالم الافتراضي حق المعرفة، وسبق أن التقيتها مرارا في الريف ومرة في الرباط ، وكذلك خلال احتجاجات شباب عشرين فبراير الأولى في الحسيمة. كما التقيت بها في مناسبات متباعدة في هولندا.

وفي لقاء ثقافي نظم في مدينة آنفيرس البلجيكية قبل أقل من سنة، رايتها للمرة الأخيرة. إلى ذلك اللقاء  دُعيت سيتسكه دي بور للحديث عن كتابها، كما دعيت أنا للحديث عن شيء آخر. ولكي أوضح لها عن أي أسس بنيت انتقادي لكتابها، طلبت من أحد المنظمين أن يرتب لنا جلسة للنقاش. إلا أنها رفضت، بحسب ما بُلغت بذلك. وجاء رفضها في هذه الصيغة: أنا مستعدة لأن أتناقش  مع الجميع باستثناء محمد. وكان لها ما أرادت.

يمكن إجمال أوجه فشل كتاب سيتسكه دي بور في الملاحظات التالية:

أولا: عدم تحري الدقة في سرد الوقائع التاريخية.

ثانيا: اجتزاء بعض الوقائع التاريخية من سياقها لتؤسس عليها استنتاجات محددة سلفا.

ثالثا: سردها لأحداث تاريخية دون ذكر المصادر.

رابعا: اعتمادها على كتابات شبه روائية بدل المصادر التاريخية.

خامسا: تضمين كتابها “رسائل” موحية، معززة بذلك ما تشيعه الصور النمطية عن الريفيين القاطنين في هولندا بصفة خاصة وعن المسلمين بصفة عامة.

وكما لا يخفى على أحد، فإن النقاش الدائر في هولندا في الوقت الراهن عن المسلمين وعن المغاربة، قد اتخذ منحى عنصريا شعبويا يتعارض مع الدستور الهولندي والمواثيق الدولية. فالخطاب العنصري في هولندا يوجه أصابع الاتهام لفئة سكانية بعينها، أي المغاربة وبالتالي الريفيين بحكم كثرتهم العددية من بين الأجانب المقيمين في هذا البلد. وأرى أن هذا هو بيت القصيد بالنسبة للكاتبة: أن تبين للهولنديين من يكون هؤلاء الريفيين، ومن أين أتوا بطبعهم المنتفض دوما على الضوابط والقوانين. أما تاريخ الخطابي فلا يعدو كونه، في اعتقادي، “علامة تجارية” لتسويق الكتاب في هولندا بين الشباب الريفي المتعطش لمعرفة تاريخ الريف، وتاريخ عبد الكريم بالذات.

صدر الكتاب عن دار النشر “وايدمير” أواخر السنة الماضية (2013) في 300 صفحة، مقسما إلى تسعة فصول مع ملحق للصور يتضمن صورا قديمة لعبد الكريم، منها ما زين بأحرف تيفناغ، وأخرى حديثة لمناطق متنوعة من الريف، وجرد كرونولوجي لتاريخ الريف وخارطة لما تسميه الكاتبة “الريبوبليك” (Ripublik) ، معتقدة أنها تجاوزت بذلك مصطلح دافيد هارت “الريفوبليك” الذي ظل لعقود يعد التفسير “العلمي” الوحيد  لحالة “الفوضى” التي عرفتها المنطقة قبل فترة الخطابي. كما يضم الكاتب قائمة للمصادر والمراجع المعتمدة.

ليس في كتاب “شعب عبد الكريم” جديدا إطلاقا في جانبه المتعلق بتاريخ الريف وتاريخ الخطابي. كل ما قامت به الكاتبة هو إعادة صياغة ما كُتب سابقا في أسلوب صحفي، مع التركيز على الروايات “المثيرة” لدى القارئ الأوربي، مثل استخدامها لمصطلحات “مسيحي”، “مسلم”، “كفار” وما إلى ذلك من المصطلحات الرائجة في الكتابات الاستعمارية. أما عن مواجهة الريفيين للغزو الاستعماري فلم تتطرق الكاتبة لرفض الريفيين لهدا الغزو في مجمل الكتاب. تحدثت عن استخدام الغازات السامة ضدهم ببرودة دم، بينما أمعنت في تفصيل “بربريتهم” حينما “انتقموا” من الجنود الإسبان المنسحبين من أنوال إلى جبل عروي. أشارت بلؤم لـ “رسالة التهنئة” التي بعثها عبد الكريم الأب إثر استشهاد الشريف سيدي محمد أمزيان على يد الإسبان عام 1912، على أساس أنها وثيقة إدانة على “عمالة” الخطابي للإسبان. بل استخدمت مصطلح “عمالة” أو “متعاون” مع الإسبان في خروج تام عن السياق التاريخي، عكس ما قام به جرمان عياش على سبيل المثال، علما أن مصطلح “العميل/المتعاون” في الذهنية الهولندية والأوربية عموما يحيل مباشرة إلى الحقبة النازية.

الأكثر من هذا أن الكاتبة تقوم بسرد تفاصيل مهمة في بعض الأحيان، وحينما ترجع للمصدر تراه من الدرجة الثالثة أو الرابعة، وأحيانا أخرى بلا مصادر أصلا.

لعل “جديد” الكتاب هو ما دونته الكاتبة عن الريفيين في الفترة الراهنة اعتمادا على مشاهداتها الخاصة وأحاديثها مع الناس. ومع ذلك فإنني أضع روايتها لمشاهداتها موضع الشك، خصوصا أنها أوردت تفاصيل غير حقيقية عن وقائع كنت أنا أيضا “شاهدا” عليها، مثل انطلاق احتجاجات حركة 20 فبراير في الحسيمة.

*نُشر هذا المقال في صحيفة المساء، ليوم الثلاثاء 26 غشت 2014

Comments

comments