قراءة في كتاب: عبد الكريم الخطابي و الكفاح من أجل الاستقلال

  • 0

ميمون أزيزا*- كثيرة هي الكتب التاريخية التي تناولت منطقة الريف في السنوات الأخيرة بالدراسة والفحص والتحليل وتقويم أوضاعه التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعديدة كذلك  هي الكتب التي أُلفت حول عبد الكريم الخطابي ومقاومته  للاستعمار الإسباني، حيث شكل هذا البطل مجالاً خصباً للباحثين والدارسين من مختلف المشارب والتوجهات. ومازالت شخصيته إلى يومنا هذا تثير شهية التأويلات والتخريجات، منها ما يلامس بعضاً من ملامحها ومنها ما يجانب الصواب، والكتاب الذي نقدمه للقارئ الكريم يتميز عن كل ما كُتب إلى حد الآن حول هذه الشخصية التاريخية البارزة، والتي أثرتبشكل كبير في التاريخ المحلي والوطني وحتى العالمي، لكونه يندرج ضمن الأبحاث العلمية الجادة والقليلة.

تمهد الباحثة بذكر أسباب اختيارها للريف كموضوع للبحث الأكاديمي ، موضحة أن السبب يعود أساسا إلى شخصية عبد الكريم الخطابي التي حركت لديها فضولاً واهتماماً بالثقافة العربية الإسلامية التي أغنت الموروث الثقافي الإسباني، ثم إن “عودة” عبد الكريم إلى واجهة الإعلام الإسباني بعد الإعلان عن وفاته بالقاهرة في 6 من فبراير 1963، وما رافق ذلك من تشويه وتزوير صورة الخطابي في المخيال الإسباني، كانت وراء عزمها على اتخاذ الريف موضوعاً لدراستها. وفي ذلك اليوم تناقلت الصحف الإسبانية أنباء هذا الحدث، وقرأت المؤرخة في جريدة أ ب س ABC اليمينية كلاماً اعتبرته تقصيراً في حق هذا البطل وتهجماً على شخصيته. وتوضح أسباب هذا الاهتمام بدقة متناهية في مقدمة كتابها، وتجملها في قولها:»مسألة واحدة كانت واضحة بالنسبة لي، وهي أن الأعداء الذين حاربهم عبد الكريم كانوا أعدائي كذلك، حملوا الدمار و الموت إلى الريف أولاً، وبعد عشر سنوات قاموا بنفس الشيء في إسبانيا“. وتشير هنا إلى الحركة الفرنكاوية الفاشستية التي انطلقت من هنا – مليلية – لتنتقل إلى إسبانيا. وهناك سبب آخر جعلها تتعاطف مع المقاومة الريفية للاحتلال الاسباني، وهو انتماؤها إلى عائلة ليبرالية تقدمية معادية لكل أشكال الاحتلال والاستعمار والاستعباد، مما حدا بها إلى الانخراط، منذ نعومة أظفارها، في الحركات المساندة لحركات التحرر الوطني والمعادية للفرنكاوية والأنظمة الفاشستية. وقامت سنة 1969 بزيارة إلى الريف للوقوف على عدة مواقع عسكرية، مثل أنوال وأعروي والناظور وغيرها، واللقاء بعدة شخصيات شاركت من قريب في حرب الريف، كما اجتمعت ببعض الزعماء السياسيين أمثال عبد الله إبراهيم وعلال الفاسي. و يتضح للقارئ، منذ الوهلة الأولى، مدى التزام الباحثة بقضية أهل الريف في كفاحهم ضد الاستعمار، وتؤكد في مقدمة الكتاب ص 19: ” كانت عائلتي تعطيني صورة أخرى عن عبد الكريم تختلف كلياً عن الصورة التي يقدمها التاريخ الرسمي للنظام الفرنكاوي“.

صدر هذا الكتاب عن دار “أليانثا” Alianza Editorial  تحت عنوان : عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال[i]، ويتكون من 556 صفحة من الحجم المتوسط ويقع في 10 أبواب، إضافة إلى المقدمة ومعجم بأسماء الأعلام (Indice onomástico)   ولائحة المصادر و المراجع والوثائق المعتمدة. وقد زُينت هذه الطبعة على الواجهة الأمامية للغلاف بصورة لعبد الكريم الخطابي وأخيه امَحمد في سفارة المغرب بالقاهرة رفقة الوزير الأول المغربي عبد الله إبراهيم عام 1959.

ومما يعطي لهذا الإصدار الجديد قيمته الحقيقية ويضعه ضمن أحسن ما أُلف في هذا الباب هو تناوله، ولأول مرة وبدقة علمية عالية، قضايا تاريخية أساسية وحاسمة، مثل قضية تعامل أو تعاون عائلة الخطابي مع الإسبان. وإذا كانت هذه القضية قد تناولها فعلاً جرمان عياش في كتابه “جذور حرب الريف”، الصادر عام 1981، فإن الجديد في كتاب ماريا روسا هو تمكنها من الاطلاع على وثائق جديدة لم يتمكن عياش آنذاك من الاطلاع عليها. كما أن  المادة المصدرية المعتمدة  تتميز بغناها وتنوعها، وتتكون أساساً من وثائق إسبانية و مغربية، ثم وثائق فرنسية وإنجليزية، ونذكر منها:

-وثائق الأرشيف العسكري بمديد:    Archivo General Militar de Madrid

– وثائق الأرشيف العسكري بسيغوبيا: Archivo General Militar de Segovia

– وثائق الأرشيف العام للإدارة بألكلا دي إناريس Archivo General de la Administración

– وثائق الأرشيف الديبلوماسي الفرنسي بباريسLes archives du Ministère français des Affaires Etrangères (Quai d’Orsai à Paris)    

وجدير بالإشارة إلى أن المؤلفة تلح كثيراً على قضية الاعتماد على الوثائق المكتوبة بالدرجة الأولى من أجل إثبات الحقائق التاريخية وتفادي إصدار الأحكام الجاهزة، وهذا ما يعكس حرصها على اعتماد منهج بحث تاريخي وعلمي صارم، لا يترك المجال للشك وللآراء الشخصية، فكل رأي تبديه أو حكم تصدره أو فكرة تطرحها إلا وتحيلنا على الوثائق التي استقت منها معلوماتها أو اعتمدت عليها للخروج بهذه الخلاصة أو تلك، وهذا ما ينطبق على كل فصول الكتاب.  كما أن براعة الباحثة لم تتجلى على المستوى الشكلي والتحليلي فحسب، بل تعدته إلى ما هو أعمق من ذلك، إذ أبانت عن مقدرة في المقاربة المنهجية التي تبنتها في تقسيم الكتاب إلى فصول أو أبواب، وفي الطريقة الجيدة التي اختارتها لتناول مباحثه. و أهم القضايا التي يعالجها الكتاب  هي:

– الولادة قبالة جزيرة الحسيمة  de Alhucemasal peñónnacer frente

– الجهاد والمقاومة

–  انعكاسات الحرب العالمية الأولى على الريف

– مواجهة إسبانيا

– امتداد النزاع إلى منطقة الحماية الفرنسية.

– بين الحرب والسلام

– عبد الكريم و محيطه

– من القبيلة إلى الدولة القومية

– حرب الريف في الإطار الدولي

– عبد الكريم في المنفى

 محتوى الكتاب:

استهلت المؤلفة هذه الدراسة بمقدمة تستوجب وقفة خاصة، استعرضت فيها أهم الإصدارات التي تناولت شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي وحركة مقاومته للاستعمار الاسباني، وقامت بفحص دقيق لمجمل هذه الكتابات  من أجل الخروج بخلاصة مفادها أن معظمها تتميز بالسطحية بحيث لم تتوصل إلى فهم جوهر الموضوع و الكشف عن حقيقة حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي. وأوردت بعض النماذج منها، مثل كتابات جاك لدري دو لاشغييغ Jacques Ladreit de Lacharrièreروجي ماتيو Roger-Mathieu و ولتر هاريسWalter Harris,   وغيرهم من الصحافيين والكتاب الاستعماريين. وتنتقد كذلك بعض الكتابات الحديثة مثل كتاب زكية داوود[ii] أو الكتاب الذي صدر أخيرا لصحفيين فرنسيين[iii].

وتستهل الفصل الأولبالتعريف بعائلة الخطابي  العالمة فعبد الكريم ًالأبً كان عالما و لعلمه عينه السلطان الحسن الأول قاضيا وابنه محمد ولد عام 1882 وتعلم في البداية على يد أبيه الذي بعثه بعد ذلك إلى جامع القرويين بفاس لإتمام دراسته(1902) ومباشرة بعد تخرجه أواخر عام 1906 التحقبمدينة مليلية حيث اشتعل معلما في مدرسة استحدثتها الإدارة الاسبانية لتعليم أبناء المغاربة، و أسندت إليه في نفس الوقت مهمة تحرير  صفحة باللغة العربية في جريدة تلغراف الريف ( Telegrama del Rif)  و منذ نزوله بهذه المدينة تأكدت لديه قناعة وهي أن بلاده ضعيفة ومتخلفة وأن الدول الأوربية تتهيأ لاحتلالها وأن المنقذ من ذلك هو الاستفادة من أوربا نفسها.  وتذكرنا ماريا روسا دي مادرياغا بمرحلة تعامل وتعاون عائلة الخطابي مع الإسبان وتعطي أمثلة كثيرة على ذلك مثل الزيارات المتكررة لعبد الكريم الخطابي لمدينتي  مليلية و مالقة وكذا تردده على جزيرة نكور[iv].  في فقرة معنونة: “بحثا عن “التقدم الأوروبي” ص65 تقول  : ” مثل الكثير من سكان القبائل المتاخمة لمناطق الاحتلال على الساحل المغربي، كانت تربط الفقيه عبد الكريم الخطابي [تقصد عبد الكريم الأب] علاقات الصداقة وحسن الجوار ليس فقط  مع السلطات العسكرية ولكن أيضا مع السكان المدنيين في الجزيرة و على رأسهم بعض التجار أمثال  Antonio Ybancos  و اليهودي سادية كوهن Sadia Cohen . كان  عبد الكريم يعتقد أنه في إطار احتفاظ المغرب باستقلاله يمكن لاسبانيا أن تساهم في التقدم الاقتصادي للريف بمنحه المساعدات المالية و التقنية اللازمة.ً ويبدو واضحا من خلال الوثائق التي اعتمدتها الباحثة أن  مسألة تعامل عبد الكريم الخطابي وابنه محمد مع إسبانيا  لم تكن معطى ثابتا في موقفهما من سياسة إسبانيا تجاه الريف. فلقد كانا يدركان مآل بلدهما الذي تقرر خارج الحدود ووراء كواليس السياسة الاستعمارية الأوروبية. وكان همهما الوحيد الحفاظ على استقلال الريف بسلوك طريق المهادنة أولا، ثم محاولة استغلال الصراع الألماني – الفرنسي والحياد الإسباني السلبي لخلق نوع من التوازن في المنطقة.

وتنتقل في الفصل الثاني إلى رسم معالم المجتمع الريفي في بداية القرن العشرين وما كان يخترقه من نزاعات وصراعات داخلية تتعلق بالسلطة و بالعلاقات مع إسبانيا. عموما تصنف الريفيين في علاقتهم بإسبانيا إلى صنفين: متعاونون أو ما يُعرف بـحزب ’أصدقاء إسبانيا‘، ومعارضون أو ما يُسمى بـ’أعداء إسبانيا‘. و تدخل العائلة الخطابية ضمن الصنف الأول. أما في الفصل الثالث فتقوم برصدانعكاسات الحرب العالمية الأولى على الريف و التي تجلت في بداية التحول في موقف الخطابي من إسبانيا. تناولت فقط في هذا الفصل التجليات الأولىلهذا التغير في الموقف ابتداء من 1914-1915، في حين أن المواجهة الحقيقية بين عبد الكريم الأب و السلطات الاسبانية خصصت له الفصل الربع المعنون  ” من المغربي المتعاون إلى  المغربي الثائر”[v].  و تستفيض في   قضية استعمال الغازات السامة من طرف الجيش الاسباني لقتل السكان المدنيين الأبرياء بحيث خصصت لها سبعة عشرة صفحتا[vi]. وموقف المؤرخة  من هذه القضية  واضح ، فهي تقر باستعمال الجيش الاستعماري لهذه الغازات المحرقة.عكس ما حاول البعض ادعاءه.

وقضية التحالف  الاستعماري على الثورة الريفية خصصت له الفصل الخامس. وتعرضت للأسباب الحقيقية  التي دفعت بالمقيم العام الفرنسي الماريشال اليوطي لانخراط في الحرب ضد ثورة الخطابي. بحيث لم يكن اليوطي مرتاحا لنتائج انتصارات الثورة الريفية منذ سنة 1920. وعندما شهد انتصارات معركة أنوال, تأكد لديه أكثر ما كان يتصور. ولذلك بقي يرصد تطورات هذه الثورة وانعكاساتها على مستقبل الفرنسيين في منطقتهم الجنوبية من المغرب. وبعد هزيمة الجيش الإسباني, وإعلانه عن الانسحاب مرغما سنة 1924, بدأ اليوطي يعلن بصراحة عن خطر الثورة الريفية على المصالح الفرنسية. ورغم إعلان الخطابي عدم رغبته في الصدام مع فرنسا, وعدم نيته في التوسع إلى المنطقة الفرنسية,إلا أن الظروف الموضوعية للمواجهة كانت قائمة. وهكذا تم التحالف الإسباني الفرنسي على الخطابي وثورته سنة 1925. و رغم لعبة المفاوضات التي كان يراد منها ربح الوقت, وإحكام الاستعدادات من طرف المتحالفين, فإن الخطابي لم يكن ليستطيع مواجهة هاتين الدولتين الاستعمارية بجيوشها وعتادها. وبعد مؤتمر وجدة في 15 أبريل 1926, تم القضاء على الثورة الريفية, واستسلم البطل عبد الكريم, الخطابي لفرنسا, وليس لإسبانيا. وهذا ما لم تستسغه  إسبانيا. وتعرج في الفصل السابع على موضوع لم يحض إلى حد الآن باهتمام الباحثين ويتعلق الأمر بشخصية بمحمد بن عبد الكريم الخطابي و محيطيه. والجدير بالذكر أن  ماريا روسا ذي مادرياغا تعتبر أول باحثة تقوم برسم معالم شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي و توافينا بمعلومات قيمة حول حياته الشخصية و علاقته مع أفراد عائلته.

و في الفصلين الثامن والتاسع تستعرض  الباحثة الانعكاسات على المستوى الدولي لإعلان الجمهورية الريفية كما  تناقش العلاقة بين محمد بن عبد الكريم الخطابي والسلطان المغربي مستعيدة الجدل الذي أثير حول هذه المسألة بين من يقول بأن عبد الكريم “الأمير” كان يريد الحلول محل السلطان، وأولئك الذين يفسرون إعلان الجمهورية بكونه يندرج في إطار العلاقات العامة يهدف إلى مخاطبة الرأي العام الغربي ليس إلا. في صفحة 406 تستعرض  قولة لعبد الكريم يوضح فيها موقفه من السلطان مولاي يوسف. ورد هذا في باستجواب منحه الخطابي  للصحافي الامريكي فانسو شين   Vicent Sheean . بعد سنتينمن معركة أنوال, أصدر الخطابي بيانا يعلن فيه استقلال جمهوريته. كما وجه نداء إلى الأمم طلعها بعدالة قضيته, ويطلب الاعتراف بها. ومن خلال استعراض المؤسسات التي كونها الخطابي, يتبين أنه كان يسعى إلى تكوين نظام ديموقراطي يستفيد من التراث المغربي الإسلامي, ومن الصيغ لإدارية للدولة الحديثة. وتتمثل هذه المؤسسات في تنظيم القضاء, والمالية, والجيش, والتعليم, والصحة. و في الفصل العاشر و الأخير يتوقف عند مرحلة المنفى في جزيرة لارينيون (1926-1947) ثم اللجوء السياسي بالقاهرة (1947-1963).

وفي الختام لايسعنا إلا أن ننوه بهذه الدراسة الجادة و الجديدة و التي مهما حاولنا أن نقرب مضمونها، فإن ذلك لايغني عن الرجوع إلى هذه الكتاب القيم والذي يعتبر في نظرنا مرجعا أساسيا لامندوحة لكل دارس من استقصاءه.

*  أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس.

ينشر باتفاق مسبق مع الكاتب

————–

[i]  صدر المؤلف باللغة الاسبانية تحت العنوان التالي  :

María Rosa de Madariaga, Abd el-kjrim El Jatabi, la lucha por la indendencia. Alianza Editorial. Madrid. 2009

[ii] Zakia Daoud, Abd-el-krim. Une épopée d’or et de sang. Séguier,  Paris, 1999

[iii] Vincent Courcelles-Labrousse, Nicolas Marmié, La guerre du Rif, Maroc 1921-1926, Tallandier, Paris, 2008.

[iv] هذه الجزيرة يحتلها الإسبان  منذ عام 1673 و يطلقون عليها اسم Peñon de Alhucemas  .

[v] de moro amigo a moro rebelde

[vi] من الصفحة   219 إلى 236.

Comments

comments