انتفاضة الريف: من رآى وعايش ليس كمن سمع

  • 0

أصدر الناشط السياسي والصحفي المغربي المقيم في بلجيكا سعيد العمراني كتابا حول انتفاضة الريف في خريف 59/58 سجل فيه أحداث تلك الفترة بناءا على شهادة والده. جمال أمزيان قدم قراءة أولية للكتاب يعيد أنوال.نت نشرها تعميما للفائدة.

من رآى وعايش ليس كمن سمع

تقديم لكتاب: انتفاضة 59/58 بالريف كما رواها لي أبي لسعيد العمراني

استهلال

لا بد من التنويه منذ البداية إلى ضرورة التمييز في تعاملنا مع هذا المنتوج الفكري الذي بين أيدينا بين عمليتين تتباينان من حيث المنهجية والأدوات والأهداف. الأولى تتمثل في القراءة الداخلية للكتاب، وهي عملية نقدية لمضامين ومحتويات الكتاب. وبالطبع فهي تتطلب وقتا وتعمقا وقراءة متمعنة حتى يتم الكشف عن كنه المضمون واستقرائه.

أما الثانية أو ما يمكن تسميته بالقراءة الخارجية للكتاب، فأعتقد أنها تقتصر على تقديم كتاب جديد للقارئ والتعريف به وإيصال محتوياته إلى القارئ. وهذه المداخلة، واعتبارا لظروف ذاتية متعلقة بالعمل، وأخرى تتمثل في ضيق الوقت ما بين توصلي بنسخة منه وبين اليوم، فأظن أنني سأقتصر على هذه العملية الثانية إلى حد ما، مع إبداء بعض الملاحظات إن دعت الضرورة إلى ذلك، أو الجمع بينهما في أحيان أخرى.

الكتاب

هو من الحجم الصغير وبطبعة أنيقة. غلافه الخارجي تؤثثه مجموعة من الصور توحي إلى طرفي الصراع زمن أواخر الخمسينيات من القرن العشرين بمنطقة الريف. الطرف الأول تمثله صورة راوي الشهادة العياشي أحمد نمحند العمراني التقطت له سنة 1955 (ص14) وأخرى لقائد الانتفاضة محمد ج سلام أمزيان التي التقطت له بالجزائر سنة 1975 بلباس ريفي كنا قد بعثناه له قبلذاك. والطرف الثاني يمثله ولي العهد آنذاك ووراءه الأداة التي استعملت في “تحقيق مطالب الريفيين” ميدانيا وقتذاك.

سعيد العمراني  مذكرات عن انتفاضة الريف

سعيد العمراني
مذكرات عن انتفاضة الريف

أما على ظهر الكتاب فنقرأ ترجمة للمؤلف مع صورة له متأملا إما في تلك الوقائع التاريخية التي هي موضوع شهادة والده، أو في مستقبل تلك القبيلة، قبيلة أيت يطفت، التي كانت مسرح هذه الرواية/الشهادة. هذا بالإضافة إلى بعض أقوال الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي الدالة، مع نص كان لي شرف استخراجه واختياره من كتاب “شهادات عن المقاومة في عهد الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي” لصاحبه محمد بودرا، إعداد وتقديم ابنه عبد الحميد الرايس، وذلك لما كنت بصدد تصفيفه وإخراجه وإعداده للمطبعة.

محتوى الكتاب

بعد التصفح السريع لمحتوى هذا المؤلف، يمكن لنا تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء:

الأول من صفحة 3 إلى 25 يتضمن إهداءات وتشكرات، مع تقديم ومقدمة. ومن هذا الجزء نستشف لماذا هذا الكتاب وفي هذا الوقت بالذات، مع استنتاج بعض المواقف السياسية للمؤلف.

الثاني من ص.26 إلى 73 يشكل صلب الكتاب/الرواية/الشهادة معززة بما ورد في بعض المراجع والمقالات.

الثالث يمكن اعتباره كملحق يتضمن معطيات إثنوغرافية وطبيعية وبشرية عن قبيلة أيث يطفت.

أما ما تبقى من الصفحات فخصص للإشارة إلى المراجع المعتمدة وفهرسة الكتاب.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المؤلف يتضمن مجموعة من الصورة، قديمة وحديثة، عن أسرته وقبيلته، عمد إلى إدراجها للمزيد من التوضيح والتعبير عن بعض المواقف السياسية إذ يقول «وقت من المفروض أن أخصصه لهم بعد تعب العمل وإكراهات متاعب السياسة.»

بعد هذا الجزء من المداخلة يمكن لنا أن نتساءل عن محتوى الكتاب وأهميته في إعادة كتابة تاريخ الريف. ثم ما هي القيمة المضافة التي سيضيفها إلى ما  كتب في هذا الصدد إن وجد وكان هناك فعلا مكتوب ما؟ لذا فلن نتوقف عند ما سميته بالجزء الأول من الكتاب سوى استحضار بعض النصوص من التقديم الذي أعده الأستاذ الصحفي الباحث في تاريخ الريف السيد محمد محمد أمزيان، بل سيتم التركيز على الجزء الثاني ومضامينه.

إن التقديم الذي خطه أخونا محمد محمد أمزيان لهذا الكتاب والمعنون ب” في الحاجة لتدوين الذاكرة” يلخص لنا بشكل جلي أهمية هذه الشهادة في إعادة كتابة تاريخ المغرب عموما وتاريخ الريف على وجه الخصوص، فيقول:

«كثرت الدعوات في العقود الأخيرة في المغرب من أجل إعادة كتابة التاريخ …هي دعوة نبيلة …إلا أنها تبقى صيحة في واد مقفر إذا لم تتوفر لهذه الكتابة شروطها الموضوعية والذاتية …شرط الإرادة وتوفر الوثيقة. الوثيقة كما هو متعارف عليه لدى المشتغلين بحقل التاريخ لا تعني فقط ما هو ملموس من مستمسكات وأوراق وصور وأغراض شخصية ورسائل وما إلى ذلك، بل تعني كذلك الشهادات المحفوظة في الصدور.» (ص18)

أما بالنسبة للشرط الثاني، أي الإرادة، فيشير إلى عدم تمكننا من تجاوز الانتظارية والاتكالية في أفق الاعتماد على إمكاناتنا للإسهام في تدوين شهادات الذين صنعوا تلك الوقائع التاريخية قبل رحيلهم عن الدنيا، إذ مع رحيل واحد منهم يرحل معه جزء من تاريخنا، من هويتنا، ترحل معه مكتبة بأكملها. وفي هذا الصدد يقول:

«لقد أضاع المنادون بإعادة كتابة تاريخ المقاومة الريفية فرصة لا تعوض حينما ركزوا اهتمامهم على انتظار ما ترك الخطابي من مذكرات، بينما كان الموت يخطف بين ظهرانيهم أشخاصا شاركوا في الحرب، جرحوا فيها أو أسروا أو فقدوا عزيزا أو أصيبوا بالغازات السامة. لقد أخطأنا جميعا وفوتنا فرصة لا تعوض حينما تغاضينا عن تدوين روايات المشاركين في حرب الريف – من قريب أو بعيد – باستثناء شهادات قليلة تعد على رؤوس الأصابع.» (صص19-20)

وما أورده عن حرب الريف التحريرية ينسحب أيضا على انتفاضة الريف، فيضيف:

«أن الأولوية … هي محاولة تدوين ما لم يدون حتى الآن من ذاكرة الانتفاضة الشعبية في الريف بعيد الاستقلال حتى لا يتكرر ما جرى مع إهمال تدوين شهادات تاريخ حرب الريف. لا يقع اللوم فقط على المنتظرين … ولكنه يقع أساسا على التوجيه الأكاديمي لطلاب البحوث في العلوم الإنسانية …والذي جهل أو يتجاهل تشجيع الطلاب الباحثين عن الاهتمام بالرواية الشفوية.» (ص.20)

في هذا السياق يندرج إصدار هذا الكتاب للأستاذ سعيد العمراني. فهي بادرة تستحق التنويه وتجسد فعلا تلك الإرادة الكامنة فينا للمساهمة في كتابة تاريخنا معتمدين على الأدوار التي لعبها أولئك الذين صنعوا تلك الوقائع التاريخية،كما أنها تجسد تلك الكلمة للقائد الملهم محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي يدعو فيها إلى ممارسة الكتابة والتدوين، بالريفية الأمازيغية أو بالعربية أو بخليط بينهما، وهذا ما يتضح بقراءة هذا الكتيب حيث وظف الأستاذ في صياغته ألفاظا بالدارجة والأمازيغية. وكأمثلة على ذلك أذكر: بطانة دالعيد (ص28)، “خو مَزُّوغ” (ص.28)، “إِيرَا نْرُزّو الإدارة نِخَدْمَنْ إِيوْذَانْ مَاشِي الإدارة نِيتْكْشَّاضَنْ إِيوْذَانْ” (ص29)، “ثُوكُّوتْ”(ص32)، “رْعَاْم نْرْثْنَيْنْ” (ص40)، “ثِحَنْيَا أُوكَرزْيَانْ” (أعتقد هو أمْدْزِّي) وثَدّارْثْ انْكلّوح” (ص43)، “إيريفيين ن أيث حذيفة وإنخازنين ن علوي” (ص40-41)…إلخ

انتفاضة 59/58 حسب الكتاب من حيث الأسباب وظهروها وتطورها ومآلها

- الأسباب: في فقرة السياق العام لاندلاع انتفاضة الريف يقول الكاتب: «فالنظام استبدل اضطهاد المستعمر باضطهاد أفضع، مارسته ميليشيات حرب الاستقلال بدون حسيب ولا رقيب منذ فجر الاستقلال.» (ص27)

- «تعويض الموظفين الإسبان بموظفين متفرنسين، في الوقت الذي كانت شريحة واسعة من الريفيين يتواصلون فقط باللغتين الأمازيغية الريفية والإسبانية.» (ص27)

- «وغير ذلك من التدابير التي كانت تهدف على الخصوص إلى الانتقام من عشيرة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي.» (ص.28)

- «…تم تبخيس لغتهم وأطرهم إلى حدود اليوم.» (ص28)

كاستنتاج: يلاحظ الاستياء العام لدى السكان في أيث يطفت بسبب طبيعة تعامل الإدارة المغربية الجديدة في المنطقة. وهذه الملاحظة تنسحب أبضا على باقي مناطق الريف. وليعزز الكاتب رأيه هذا اعتمد على كتاب دافيد هارت الذي أورد لائحة المطالب التي رفعت آنذاك من طرف القيادة السياسية للثورة/الانتفاضة، بل وزكى ذلك أيضا لمقال للأستاذ محمد أمزيان الذي يقول فيه نقلا عن قائد الانتفاضة: «لقد وجدنا أن كل الملابسات تدعونا إلى القيام بهذه الحركة لإنقاذ الوطن، وإلا فسوف لن يرحمنا التاريخ والأجيال الصاعدة.»(ص30) لكن «القيام بالحركة، معناه رسم معالم طريقها وتحديد مسارها، بأن يوضع لها برنامج وأهداف تسير نحوها.»(نفس الصفحة).

وفعلا تمت صياغة هذه الأهداف/المطالب بمنزل تيمامايين سميت آنذاك بالمطالب المستعجلة بعد تعيين ميس ن رحاج سلام موح أمزيان قائدا عاما للثورة أمام حشد كبير من وفود القبائل الريفية. فهل كانت هناك وفود من أيث يطفت وإبقوين آنذاك؟ ربما. ذلك أن الكاتب في (ص) من مؤلفه يقول: «ذكر لي أبي ميس الحاج سلام عدة مرات. وبالنسبة له، كان ميس الحاج سلام يهدئ الأوضاع ويدعو الناس للتريث وتجنب الصدامات مع “أيث بوقبارن” وعدم مهاجمة الإدارات. وروى لي أبي، أن قائد المنطقة موح نحدوش أرسل في يوم من الأيام، رسالة خطية ووفدا إلى الرئيس ميس الحاج سلام, وكان الوفد يتكون من 25 شخصا يمثلون مختلف مداشر أيث يطفت، يتذكر منهم أبي الأسماء التي مثلت دواره ” إشتوانا”، وهم على التوالي: عمر الحاج عبد السلام…وعلال نمحند، والمدني نعمر نمحند. وقد كانت مهمة الوفد محددة في التشاور حول مختلف القضايا التنظيمية ومطالبة ميس الحاج سلام بتزويدهم بالسلاح. ولما أثيرت معه قضية السلاح كان جوابه «عَاذْ نْتْبَاعْ مَنَيَا شْوايْ شْوَايْ…عاذ أوذنِّي بوسلاح..»، وطالبهم بالهدوء وعدم مهاجمة الإدارات، لكنه حثهم على مقاطعتها ومقاطعة الأسواق الرسمية.» (ص35)

فهل امتثلت هذه المناطق ووفودها للقيادة السياسية للثورة؟ سؤال يحتاج إلى نقاش وما سيأتي يثبت العكس؟ لماذا. هذا موضوع آخر يستلزم الوقوف عنده وقت لا يستهان به.

كيف بدأت الانتفاضة بأيث يطفت؟

يؤكد الكاتب حسب رواية والده، أطال اله في عمره، أن الانتفاضة «اندلعت أولا في قبيلة آيث ورياغل قبيل أن تنتقل إلى القبائل الأخرى. وقد كانت هناك نداءات في الأسواق بواسطة المنادي …تشرح دواعي الانتفاضة وأهدافها وطرق تدبير..العملية.»

حسب الباحث / الأستاذ العمراني، واعتمادا على رواية والده، قاطع الناس الأسواق الرسمية “المخزنية” وأنشأوا أسواقا شعبية كما هو الشأن بتوفيست (سوق ثامراكوت) مع رفض دفع الضرائب وإيقاف عملية الحرث, هل تم الالتزام بذلك؟

يجيب الأستاذ: في (ص37): «استمرار صمت النظام ومواصلة استفزازاته، دفع الناس إلى البحث عن التسلح، اعتمادا على الذات، ودون انتظار قرار القيادة السياسية.»

أعتقد أن هذا النص يجيب بشكل واضح عن تساؤلاتنا السابقة، وكذا عن تساؤل الأستاذ (ص36).

كيف تطورت الوقائع وما هي تداعياتها؟ هذا ما يمكن قراءته ابتداء من (ص39) إلى (ص6)

ملاحظات لا بد منها

1- إذا قارننا بين عنوان المؤلف مع محتوياته، نلاحظ نوعا من عدم الانسجام. فالعنوان هو: انتفاضة الريف 58/59 كما حكاها لي والدي، بينما لا نجد نص الشهادة مميزا بين دفتي الكتاب حتى نتمكن من مقارنته ومقاطعته مع وثائق أخرى لإعادة ترتيب وخلخلة وكتابة تاريخ الريف من منظور يقترب إلى حد ما مما وقع، وليس من الحقيقة، لأن مفهوم الحقيقة مفهوم فضفاض ويختلف حسب المدارس والإدراك. ما نجده هو الألفاظ والعبارات التالية: “وحسب رواية أبي…”(ص28)، “ويروي لي أبي…(نفس الصفحة)، “يعترف أبي بأن…” (ص29)، بالنسبة لأبي…”(ص31)، “دائما حسب أبي…” (ص32)، “قال أبي…”(ص33)، “ذكر أبي ميس ن الحاج سلام…” (ص35)، ” على حد تعبير أبي.” (ص37)، ” حسب ما رواه أبي.”(ص39)، “فحسب رواية أبي كشاهد عيان”(ص44)، “تحدث أبي عن طائرات” (ص48)، ” يصف أبي رئيسه موح نحدوش (ص54)….إلخ. لكن أين هو نص الشهادة الذي يمكن أن يشكل مادة خام للبحث التاريخي. فما هنالك هو نص الكاتب، وهو نص شخصي، يتضمن إضافات مقتبسة من مراجع أخرى، أو هي شخصية توظف ألفاظا وكلمات لم تكن متداولة آنذاك في القاموس السياسي “ما يسمى (بحكاية) الحماية” (ص28)، “الحكرة” (ص29)، “حدود المغرب ظلت ملغومة إلى يومنا هذا” (26)، “الريف الكبير” (ص27).

2- أعتقد أن الحل لما سبق كان يمكن أن يكون على الشكل التالي منهجا وبناء مع الارتباط بالإطار التاريخي للشهادة حتى تكون لها قيمة وثائقية تعتمد، إلى جانب أخرى، لإعادة كتابة تاريخ، الهدف المنشود للجميع، وبالتالي تجاوز ثغرات التاريخ الرسمي، ثم خلق تراكم معرفي يخدم هويتنا وطموحاتنا السياسية. فبدل إضافة المعطيات الطبيعية والبشرية والثروات الاقتصادية وإثنوغرافية لقبيلة أيث يطفت كملحق، كان من الممكن أن يكون في البداية كفصل أول دال على المسرح الطبيعي الذي شهد الانتفاضة برواية الشاهد العيان، شريطة عدم التدخل في الشهادة، أي أن ندعه يروي ما رآه وليس ما سمعناه نحن وأعدنا صياغته كما نريد ووفق قناعاتنا ومواقفنا راهنا. فهذا قد يكون اعتداء على ملكية الغير وأفكاره. أما ملاحظاتنا وتعليقاتنا على بعض أفكار الشهادة، فيمكن أن تكون في الهوامش، أسفل النص أو في آخر الفقرة.

3- وردت بعض الأخطاء تتعلق ببعض الأسماء. أعتقد جازما أنها لم تكن مقصودة، ومنها مثلا: “مطار الشريف الإدريسي ببوكيدارن”، وهذا غير صحيح لأن المطار الوحيد الذي كان موجودا آنذاك هو مطار إمزورن حيث ما تزال هنالك قشلة للمخزن المتنقل، إلا إن المقصود إضافة لفظة بوكيدان لحمولتها السياسية في الوقت الراهن (ص41)، ونفس الاسم يرد في صفحة 100 باعتباره معتقلا. اللفظة الثانية هي أيث بويخلف، والصحيح هو أيث بوخرف. ثم ” أمثال الجنرال الكتاني والجنرال أمزيان، والصحيح هم الجنرال الكتاني والمارشال مزيان (ص98)

4- وردت إشارات عديدة إلى روايات أخرى استقى منها الباحث معطيات ساعدته على صياغة هذا المحتوى. فحسب رأيي لماذا لم يتم تدوين تلك الشهادات؟ وكمثال على ذلك شهادة والدته (ص90) وشهادة سلام نموح نمحند المعروف بسلام موح انتوذريسث الذي لا يزال على قيد الحياة (ص49). أعتقد أن الإجابة أوردها المؤلف في صفحة 3 حينما يقول: «وكنت قد بدأت الاتصال ببعض الأشخاص الذين لا يزالون على قيد الحياة، لكن المشروع تعثر بسبب عدم تمكني من زيارة الريف خلال عطلة الصيف الماضي (2013) لأسباب مهنية ودراسية، مما جعلني أقرر نشر الشهادة كما هي…»

5- إعادة النظر في المراجع المعتمدة وطريقة الإشارة إليها. ففي صفحة 40 يقول الكاتب: «وفي هذا الصدد يقول الباحث محمد لقجيري في كتابه “مولاي موحند والحركة الريفة” المنشور في شهرية تاويزا من عدد غشت 2006 إلى عدد فبراير 2008، بأنه “قبل أن تصل شرارة الثورة بأيث ورياغر، تصدى المقاومون الريفيون لجنود امخازنيان ن علوي في الناضور وفي منطقة أبث اسادن (اسنادة) وأيث بوفراح.» !! فهل نحن بصدد مؤلف منشور للأستاذ أم عبارة عن مقالات موحدة الموضوع منشورة في دورية.

6- بعض التواريخ لها عدة حمولات سياسية وثقافية، كتاريخ الإصدار مثلا يناير 2014 (ص2)، ثم عبارة «وفي يوم 13 يناير 1959 الذي يصادف العام الجديد لإيمازيغن» (ص41)

7- الصور المتضمنة في الكتاب هي مزيج من صور قديمة وأخرى حديثة، مع غياب المصدر والتاريخ في معظم الأحيان، وهذا ما يفقد لها قيمتها المصدرية.

8- ما هو مصدر الملحق الأول؟

على سبيل الختم

مهما تكن بعض الهفوات، وبحكم أننا لسنا معصومين من الخطأ، فإن لهذا الكتاب/الشهادة أهمية كبير بالنسبة لي، وأعتقد أنها أيضا للقارئ، ذلك أن هذا الكتاب أفادني كثيرا في معرفة وقائع ثورة/انتفاضة الريف بأيث يطقت، وفي هذا الصدد أشير إلى أن أحد الحاضرين بقاعة بلاهاي، حينما تدخلت في إطار الذكرى 50 لهذه الانتفاضة، أشار في سؤاله إلى أن أيث يطفت لها أيضا دور في هذه الانتفاضة، ولا يجب إغفالها، فشكرته على هذه الملاحظة قائلا بأن هذا نقص كبير في معرفة تاريخنا، ولا يمكن التغلب عليه إلا بالكتابة، كيفما كانت تلك الكتابة. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يجيب عن تساؤل ذلك المواطن في المهجر، وحبذا لو كان بيننا اليوم لأشكره مرة أخرى.

أعتقد أن هذا النص يمكن أن يشكل لبنة أولى للتفكير في تدوين أو تسجيل روايات أخرى مع الأحياء أو ذويهم حتى نخلق نوعا من التراكم في المادة التاريخية والمصدرية.

مرة وجهت نداء عبر أمواج إذاعة الرباط الأمازيغية داعيا أطرنا وأناسنا إلى تدوين كل ما سمعوه عن مداشرهم، إلى جانب البحث عن أهم مواردها الاقتصادية وتجلياتها الثقافية المختلفة وانتماءاتها الأسرية والقبلية، على اعتبار أن هذا العمل لو تم، لشكلنا مونوغرافية كبيرة للريف بدل الاعتماد على ما كتبه الآخرون من عرب وعجم حتى عدنا نعتبر كتاب دافيد مونتغمري هارت بمثابة “إنجيل” الريف.

شكرا جزيلا للأستاذ على هذا المجهود الكبير الذي أطلب من الله سبحانه أن يشكل اللبنة الأولى لبناء صرح هويتنا التاريخية التي تعرضت لكثير من الانتكاسات والتعثرات، بل وللطمس المقصود والذي ساهمنا بأيدينا في الغلبة علينا ما دمنا لم نتخلص من الاتكالية والانتظارية.

جمال أمزيان

المضيق، الجمعة 07 فبراير 2014

 

Comments

comments