قراءة في كتاب: هل كان الخطابي متعاونا مع الإسبان؟

  • 0

 محمد أمزيان – أنوال.نت/ هل كان الخطابي “متعاونا” مع الإسبان؟ وكيف تحول من متعاون إلى محارب شرس للوجود الاستعماري في الريف وإلى رائد عالمي للتحرر ومناهضة الاستعمار؟ كيف استطاع عبد الكريم توحيد المُجَزّء القبلي ليصنع به نواة ’جمهورية‘ في عرين القبائل الريفية المتناحرة؟ الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها يوجد في كتاب بالإسبانية للباحثة والمؤرخة الإسبانية ماريا روسا ذي مادارياغا، والذي تُرجم مؤخرا إلى اللغة العربية تحت عنوان: “محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال”.

جرأة علمية

ثلاث مترجمين انكبوا طيلة سنتين على ترجمة الكتاب وتحقيقه وتصويب ’الهفوات‘ التي اعترفت الباحثة بالوقوع فيها في نسخته الإسبانية. أما فرسان الترجمة الثلاثة وهم محمد أونيا وعبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس، فقد أنجزوا عملا تاريخيا ضخما يوازي في أهميته وضخامته قيمة الترجمة التي أنجزوها قبل سنوات لكتاب الأنتروبولوجي الأمريكي المعروف دافيد هارت عن قبيلة آيث ورياغل.

شهادات عن تاريخ المقاومة الريفية

شهادات عن تاريخ المقاومة الريفية

يمتاز هذا الكتاب، بحسب المترجمين، بـ “جدية وأهمية علمية بالغة”، وبالتالي “يستحق عن جدارة أن يصنف ضمن الكتب التاريخية القيمة القليلة التي عالجت موضوع حرب الريف بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، بكثير من الجرأة العلمية”.

وتتجلى هذه الجرأة في تناول قضايا خلافية وحساسة مثل مسألة “تعاون” الأسرة الخطابية مع “الدوائر السياسية والعسكرية الإسبانية قبل حدوث القطيعة”، فضلا  عن قضايا أخرى لعل أهمها موضوع “بيعة ابن عبد الكريم وموقفه من المخزن المركزي وموقف السلطان منه”.

سيرة ذاتية للريف

الكتاب هو أولا سيرة ذاتية للخطابي منذ ميلاده في قرية أجدير في غضون 1882 إلى تاريخ وفاته في القاهرة سنة 1963. ولكنه في الوقت نفسه ’سيرة ذاتية‘ للريف منذ القدم في علاقته مع الجارة الشمالية إسبانيا، وهي علاقة تتميز بالمراقبة المتبادلة بين الجارين والحذر والترقب.

في المقدمة التي خصت بها الترجمة العربية تؤكد ماريا روسا ذي مادارياغا المختصة في تاريخ الريف، أن كثيرا من الأخطاء التي شاعت في ما كتبه أوربيون وغيرهم عن الخطابي، قد تم تجاوزها بفضل المترجمين الذين “اتصفوا بشدة التدقيق ومعاينة أصغر التفاصيل مع الصرامة في التعامل مع المعطيات وإيلاء كل صغيرة وكبيرة ما تستحقه من تفحص واهتمام، هذا علاوة على معرفتهم المعمقة للريف والمجتمع الريفي”. ولا غرو فإن المترجمين ينتمون للمنطقة المدروسة ومنهم من يرتبط بصلة قرابة مع الأسرة الخطابية، هذا فضلا عن تنوع تخصصاتهم المعرفية ذات الصلة بالموضوع.

تعاطف

لا يخفى على القارئ النبيه مدى تعاطف المؤرخة الإسبانية مع شخصية عبد الكريم الخطابي ومدى “الانجذاب” نحوها، الأمر الذي حمسها أكثر لإنجاز هذه الدراسة الشاملة عنه. بيد أن هذا التعاطف لم يصدها عن إعمال أدوات النقد المنهجي والصرامة العلمية في التنقيب عن الوثائق واعتماد المصادر التاريخية الأولى.

هذا الكتاب الذي صدر بداية السنة الجارية (2013) عن دار “تيفراز” للنشر في طبعته العربية يمكن اعتباره بلا تردد التاريخ الموثق والأوثق حتى الآن مقارنة مع ما ظهر قبلها من كتب ودراسات عن المرحلة. فبالإضافة إلى إحاطته الشاملة بهذا الجزء المنسي من التاريخ المشترك بين المغرب وإسبانيا، فإنه يقوّم كذلك اعوجاجات كثيرة ومغالطات متعمدة شابت جل الكتابات السابقة، بحسب ما أثبتته الباحثة أثناء تمهيدها للكتاب بدراسة نقدية للمصادر والمراجع.

تأرجح

عشرة فصول هو عمر الكتاب الذي يمتد على مدى 632 صفحة عدا ملحق الوثائق والصور غير المرقم. والملاحظ أنه على الرغم من “التعاطف” الظاهر للباحثة الإسبانية المتخصصة في تاريخ الريف، فإنها لم تتوان عن إثارة بعض القضايا الملتبسة بخصوص عائلة الخطابي في تعاملها مع السلطات الإسبانية قبل القطيعة التامة سنة 1919. وأوردت الباحثة تفاصيل مهمة تظهر تأرجح عبد الكريم الأب بين التعاون مع الإسبان وبين شكوك الريفيين الذين كانوا لا ينظرون بعين الرضا لتلك العلاقات المشبوهة بين عائلة الخطابي والإسبان. وكان تيار المقاطعة من الريفيين كثيرا ما يلجأ إلى فرض غرامات على المتعاونين مع الإسبان بإحراق منازلهم وتهديمها، وهذا ما حدث فعلا للاسرة الخطابية.

وأمام خطورة الوضعية التي وجدت الأسرة الخطابية نفسها نتيجة لموقفها المهادن والمتعاون مع الإسبان، قرر عبد الكريم الأب في الأخيرالابتعاد عنهم ثم مقاطعهم قبل أن ينضم تماما للتيار المناهض لوجودهم. وأوردت المؤرخة معلومات قيمة توضح هذا المسار بجلاء. ويظهر من الكتاب أن الخطابي الأب كان يعرف قواعد لعبة التحالفات ويتقن سياسة المراوغة وربح الوقت. فمع نيته قطع حبل الوصل نهائيا بينه وبين الإسبان، إلا أنه تريث قليلا حتى يضمن عودة ابنيه محمد من مليلية وامحمد الذي كان قد حصل على منحة إسبانية لدراسة الهندسة في مدريد. “وبمجرد ما أصبح الاثنان معه في أجذير (يناير 1919) قرر عبد الكريم الأب أن يحتفظ بهما إلى جانبه، وقد برر ذلك أمام الإسبان بدعوى (….) التهديدات التي تلقاها من لدن بعض القسمات من قبيلته في حالة ما إذا التحقا بمنصبيهما”.

مصلحة الريف

تؤكد الوثائق التي اعتمدتها الباحثة على أن الخطابي الأب تعاون مع الإسبان وأن ابنه محمد الذي سيتزعم محاربة الإسبان لاحقا كان أيضا في ’خدمة‘ هؤلاء. إلا أن الخطابي الذي عول كثيرا على التعاون الثنائي من أجل النهوض بالريف سرعان ما خاب أمله في الإسبان وفي طريقة إدارتهم للمنطقة الموكولة إليهم وفق معاهدة الحماية، وهذا ما ظهر في رسالة طويلة وجهها لهم شارحا فيها أسباب مقاطعتهم:

“إن الريف ينادي بأعلى الأصوات الإسبانَ الطيبين متشكيا من طريقة الحماية هذه، آملا أن يستفيقوا وينظروا إلى الريف بعين المصلحة ويبذلوا كل ما في استطاعتهم لتصحيح أخطاء التدخل الإسباني، مع تفعيل وتوفير الوسائل من أجل تنمية مصادر الثروة ورقي الشعبين”.

صانع الوحدة

اشتهرت القبائل الريفية في ذلك الوقت بالتطاحن الداخلي الذي أطلق عليه في الأدبيات التاريخية مصطلح “الريفوبليك”؛ هذا المفهوم الذي يحيل في المخيال الشعبي إلى الفوضى العامة. غير أن عبد الكريم الخطابي تمكن من تحويل ضعف الانقسام والتناحر إلى مصدر قوة. كان عبد الكريم يقوم “بدعاية نشيطة من أجل الوحدة داخل قبيلته وفي القبائل المجاورة”، بحسب ما أورده مخبر كان يعمل لصالح إسبانيا. والمعروف أن عبد الكريم الابن التجأ إلى  سياسة التعبئة والتحشيد في المداشر والأسواق مباشرة بعد وفاة والده. وقد نجح فعلا في مهمته لاسيما بعدما تمكن من إبعاد وتحييد أو تصفية خصومه من “أصدقاء إسبانيا”. وتورد المؤرخة نقلا عن برقية المخبر المذكور أن عبد الكريم الابن كان “ينصح الريفيين بنسيان الأحقاد” والتوجه لمواجهة إسبانيا، “هذه الدولة التي تعتزم الدوس على ديانتكم واستباحة أملاككم وانتهاك حرمات عائلاتكم”.

“بلاط خائن”

على الرغم من محاولات الخطابي التواصل مع سلطان الوقت مولاي يوسف، فإن السلطان ظل في نظر عبد الكريم “رهينة” في يد فرنسا. وأوردت المؤرخة ذي مادارياغا ما يؤكد أن الخطابي كان يأمل في أن يلتحق السلطان بـ “حركة التحرير الوطنية التي انطلقت من الريف”، لكنه يأس من محاولاته تلك وخاصة حينما روج المقيم العام الفرنسي ليوطي حكاية أن الخطابي “يعتبر علانية كسلطان وبمثابة السلطان الوحيد للمغرب منذ عبد العزيز”.

لم يلبث أن جاهر الخطابي بموقفه الصريح من السلطان يوسف الذي اعتبره “شخصا غير جدير بالمسؤولية” وأنه مجرد “موظف مأجور”.  وفي رسالة وجهها لقاضي تطوان سي أحمد الزواق سنة 1925، أوضح عبد الكريم الخطابي موقفه من كل السلاطين الذين اعتلوا العرش قبل مولاي يوسف ووصفهم بـ “الجهلة وضعاف النفوس”، كما وصف بلاط السلطان يوسف بالبلاط “الخائن”.

خلاصة القول، يعد هذا الكتاب قراءة جديدة وموثقة لتاريخ الريف عموما وتاريخ عبد الكريم الخطابي بصفة خاصة. وعلى الرغم من القضايا الخلافية التي تطرق إليها وما يمكن لهذه القضايا أن تثيره من تساؤلات حول آراء سابقة كانت تدخل في خانة الثوابت، إلا أنه يصعب التشكيك في مصداقيتها بالنظر لما عززت به المؤرخة آراءاها واستنتاجاتها من وثائق ومصادر بعضها يستخدم لأول مرة.

Comments

comments