إبراهيم حمودة: ضراعة الحرير

  • 0

(هذا النص الأدبي خص به أنوال.نت  الناقد الفني السوداني المقيم في هولندا إبراهيم حمودة). 

إلى “ف.م”

الموجة عالية النقاء، أختي التي لم تلدها أمي.

حين تشارف مقام الحرير، سيستقبلك بالجهر الذي يليق بالمسافة بينكما، وبجاهر الأشواق. حينها تقدم منه جاثيا على ركبتيك بعد أن تمنحك الفضيحة عذرها. لا تتشبث بأطرافه المتدلية، بكامل القدرة التي تسكن أعضاءك، وبرغم مبذول الرحمة المطوية في ثنايا الحرير. أختر قدرك ولا تطلب الرحمة، من يمنحك الطمأنينة ينظر إليك من عل كدائن نذل. لا تثق في أفعال الخير، الخيرون أنذال على قول فردريك نيتشه “يريدون احتكار الفضيلة، وايقاظ الضغينة من مكمنها”.

دلني على من تدلى بخيط من الحرير ينشد النجاة؟ لولا الحياء لما كانت هنالك مكرمة. ما يقابل الحياء من الناحية الأخرى هي الفضيحة الصامتة والشماتة التي تحف بتخومها. هكذا فإن الفضيلة والمكارم لا بذور لها غير تواطؤ لئيم يدفع ناحيتها. ازهد فيها النجاة إذن ككريم مبذر بألف يد. الكرم الذي يقتل صاحبه، لا ليفتدي الآخر ولكن كي يقول له: “هكذا يجب أن تعيش”. هكذا اتهم نيتشه في الانجيل الخامس بولس الرسول بأنه قد حول الانجيل إلى كل ما عمل على تجنبه المسيح الذي لم يرد حربا.

أضحك من ندامة الكسعي، من الطمع الآدمي العضال، من المساءات التي ثقبتها بضحكتي ولم يرتد سهمي. أعجب لحال الرجال وانخراطهم في المهانة الأزلية. قياما وركوعا يحاكون ما يجب أن يكون عليه حال المتذرع بحسن المآل. ما كنت لأبدل ما أصابني، ولا أبات حسيرا على التي لم أكن لأظاهرها في مشهد من الإسمنت والقرميد. في الصباح الغافل المطمئن لحاله جلست كما ألفت إلى قهوتي بالطريقة التي تنتخبها هي، خفيفة تميل للماء، لعصير مجهول دافئ، أو كما عن لها من مقادير.

وهبتني يدها الناعمة كحرير. خلف الكرسي الذي جلست  عليه كمحكوم لحظة سماع النطق بالحكم. منتبه مثل مكيدة ومتربص كلص فاشل. كانت تتحفز كي تلقي على مرثية الفراق، تضع يدها على كتفي، لتمنحني نبالة جديدة. رأيت الملكة تضرب كتف المرفوع للمجد برفق مانحة إياه لقب النبالة. اللقب الذي سوف لن يريق ماء الوجه، مثل مبلغ نقدي ترزح تحت وطأة إحساس تقبله.

الضرب رمزية التحول من الوضاعة إلى النذالة المحمية بالقانون، كما كان النبلاء في العهد الاقطاعي. كل شيء يضرب بغرض التحول أو بغرض تحويل حال الناس، ضربت موعدا، يضرب آلة موسيقية يضرب العود، يضرب الترومبيت “الطرمبة”.

العملة تضرب أيضا لتحويل أملغم النحاس والقصدير والحديد إلى قطعة نقدية ذات قيمة متعارف عليها و مبرئة للذمة. عملة تحمل صورة المخادع المخاتل الذي يعطيك جانب وجهه ليس إلا. لا يقابلك بكامل استدارة وجهه مثل شمس ساطعة كحال المستبد الذي لا  يخفي استبداده والذي يعلم الغيمة أن خراجها سيأتيه حتما، عاش الملك.

قديما قيل إن الملوك  إن أرادوا ترفيع شخص ومنحه لقب نبالة ما، يضربون لهذا الغرض بالسيف على الكتف، ولكن تلك الآلات جالبة للريبة وتفتح باب الذاكرة وآلامها على مصراعيه. اليد تكفي، اليد المبسوطة المانحة، هي ذاتها التي حملت غصنا محولة إياه إلى عصا، لتضرب بها، لكي تصير العصا أول امتدادا لطرف بشري. من يومها اكتشف الانسان إلحاق الأذى بالآخر. منذ ذلك الحين لم يتوقف هذا الذي يسمى انسانا عن خلق امتداداته، والالتحام بالكائنات الأخرى لتحقيق أقصى نزعاته تطرفا. الفارس والركاب يصيران جزءا من الحصان في اتحاد يستهدف مضاعفة الضراوة. حصان وفارس وركاب ورمح يشكلون اتحادا لا فكاك منه، كتلة متحركة مندفعة جانحة للأذى، ليست بإنسان، ولا هي بالحيوان.. هي آلة وجهاز.

بهذا تأخذ الأجهزة مسمياتها، مرئية محسوسة أو تنظيمية مبنية على علاقات. قالت لي بدراية من يملك أمر الآخر: العلاقة ليست حبا. أخذتها منها وركنت إلى قدري أخدم العلاقة وأصون ما أنا منذور له. قلت لها حرريني من هذا الحلم، بضراعة هي أقصى ما يستطيعه كائن مثلي. كانت تجلس إلى أشيائها، لزهورها، لمساءها الواعد، للأصيل الذي أجلته قليلا. ثمة جهاز يحكم ذلك كله، يبدأ من “شاكرا” التاج في قمة الرأس حيث يسكن الصواب المتخيل المتوسم في بائس مثلي، ممتثل لا ينشد فكاكا فهل تراني كفؤا لها؟

إبراهيم حمودة

آيندهوفن- الأول من يوليو 2014

Comments

comments