عِـمْ سلامـا أيـهـا الوطـن

  • 0

نـوال زيـاني – حدثت فاجعتي الغريبة في وطن تحرس عتباته كلاب مسعورة، أقلقت بسعـارهـا سكينة ليله وأمن جنباته ، أودتْ بغاياته إلى المهالك والخراب، حينما كنتُ أشْهِـرُ يفاعتي الأولـى قضت عليَّ الأيادي الكاسرة، جذبتني بقسوة أسقطتْ أحلامي كبالونة فوق الأشواكـ، لم أَرَ حينها وجه أمي وهي تنازع بصرخات وضربات تحاول أن تخلصني من القيد، تشدني ناحيتها وأنا عائمة في غيبوبة، في صدمة مذهولة لا أدرك ماذا يحدث، ذهب خيالي حيث كن النساء يخطفن بكل سهولة وبحق مشروع للمنتصر في الحرب أن ينعم بالغنائم والسبايا، لم أفق… غَيَّـبَنِي الضرب، عَـلوتُ  فوق الجراح، وراء الحجاب الأزرق، أزفتُ  ما لا تدركـه العيون، أبصرتُ طريق العدم، سرتُ وسَرَتْ  بي روحي في شساعـة الأفقـ، كنتُ  خفيفة كريشة يطيرها الريح، شفيتُ  من عاهة أن أكون إنسانة ضعيفة، أصبتُ  بالصمم عن أصوات النحيب والعويل، ترنمتُ  بالمدى الفسيح وترقق قلبي لهديل الـفراديس العليا، تـطيبتُ  بـطهر الـأثير المتدفق كامرأة خرافية تـمدُّ  يدها نحوي في خفوت يرسم قوامهـا شعاعا من النور في الأرجاء، تغطيتُ  بهـا ومررتُ  في رقصة فراشة تحوم حول ذاتها والضوء.

وحين بدأتْ  مضائق صدري تعج عادت روحي في كبدٍ إلى سكناها وجدتني في قبضة يد سوداء خشنة، حاولت أن أنزع يدي منهـا، ماذا تفعل داخل هذا الكف القذرة لغريب لا يشبه أبناء قريتي ولا حتى زوارنا من القرى الأخرى. أنزعهـا كيف؟

إنني أضعف وأصغر من أن أخلصني منهـا، صرخت بكل الخوف، بكل الحزن، بكل الضعف، صرخ بي برموز لم أفهمها، لم تكن لغته تشبه لغة الريف كان يلطم بطلاسم فكت معنـاهـا غلظة وجهه وصوته الناهر، الغاضب، المخيف، تخيلته جرادة عملاقة تخطفني فريسة لصغارهـا، أغلقتُ  جسدي وروحي واستسلمتُ  للأصفاد التي تكبل إرادة الحركة والحيـاة داخلي، وتسوقني لـمصير مجهول، كلما ابتعدتُ أكثر من مسقط هوائي وهواي اختنقتُ وكثرت هواجسي وعمـرَّ اليأس ذاتي، لم أعد لي ، أنـا لـ.مـاوراء أهواء هذا الغريب الكث، مخبوء مصيري تحت نوازع نواياه الـتي تفلت دون وازع ولا خشية من عقاب مـا، أرضي أو سماوي، لا يحاسبه إلا هواه الفائر بشهوة تخترق عينيه لتلدغ فرائسي، يجرني هاربا، مبتعدا، وأنـا أراني قربتُ الأفول أحاول أن أملأ ضلوعي بنظرة أخيرة للحقول، للزرع، للبحر المـائج الهادر يبكي حكايا غزلنـاها بالدم ، أفتش في الفوضى العكرة عن أهلي ورفقتي، أغوص عميقا في صلتي بهذا المكان الأعزل الأغر الذي نزف حد السقوط وكاد أن يتهـاوى لولا قصة العشق المتينة بينه وأبنائه، هذا الوطن الذي لا يموت أبدا، يرضعنـا منه معنى أن نبقى ملتصقين به حتى آخر الرمق.

سلام عليـك أيـهـا الأبي،

سلام عليك وأنت تنازع،

وأنتَ لا تـموت

سلام … سلام

لـكَ مقـاصدَ دمـي وأغنية مـن روح ستشقـى بعدك، وتنـهـار، لـكَ آخر النـزف، وبعدهـا أرحل إلى حتفي المنتظر

خذهـا وتبطل في البحث عنـي حتى وإن كبلتُ دون قصدِ يديك في لعنـة الشرف

” أنزلوني عنك

متصدعـة

بلا بحر يهديني فمـه

لأقرئك السـلام

بلا شواطئ

ترج دمي

تـشكل أقدامي

نوارس

تدور في فلكـك الأبدي

وطني،

قل للصرخة الثكلى

أنـا لم أمت

آه مـازلتُ  موصدة خلف القهر

الـذنب

مازلتُ  بكاء صمـوتـا،

خفوتـا،

في فـم القبيلة الأجوف

مـا العـار؟

وأنـا الضحية،

جرفني غبـار التتار

مشى بي، ذابلة ألعق آخر الحلم، آخر عنـاق بيني والجبال هذه السامقة التي أهدتني من صلابتـها الصبر والعنفوان، هذه القطعة من دمي أستودعـهـا قلبي، وأول الحب، أستودعـها رسائل الليل، قصص الجدة ومواويل “لالـة بـويـا” وأعراس العـائدين من الضفة الأخرى حاملين الحداثة في صيغة أدوات كهربائية ، كالرايدو، التلفـاز وأشرطة الجاز ، وملابس الهيبز، أستودعـكَ يابحر وكلما ابتعدت أكثر صلني به في صلاة العشق الأبدي، صله بوريدي واغتـنـم عمقـك رحمـا لأمشاج سلالة لا تنتهي … إنـه الريف يـابحر

يبتعد بي، نتوارى ودمي يتخثر، يتجمد يـئن، يسقط على التراب ليبذر هـا هـنـا، ليتناسل مع الخزامـى والعشب الأخضر، مع كل صنوبرة وزيتونة، مع كل المـاء، يتحلل مـع التراب ليأنس للأقدام الريفية العنيدة. آه أمضَّنـي أن أقيد هكذا كشـاة ذبيحة، محنطـة بالـذعر والويل، أمضَّـنـي أن لا أستطيع فكَّ هذا الوثاق، ضعيفة حد الهلاك، حد أن أستبحْتُ  في ظل وطن أصيب بفاقة العجز، فَقَدَ قدرتـه في حماية إنسانية الإنسان، أمضني أني ولدتُ أنثى شقية، منكسرة، أول من يناله الظلم والاستبداد، وأول مـن يستهـان بخطفه ونبذه ورميـه ووصمـه بالعار…

خُطفتُ، ألقـى الرعد الغاضب زمجرتـه عليَّ وخطفني في لمحة غضب، وألقـاني في يم المجهول أسيرة، لا أقايض بفدية ولا مال، من سيبحث عنـي، الكل أوصد البـاب، صَمَتَ  لتتعـافى الذاكرة دون عـار،

آه يـاوطـن قرير العين وأنـا خلف الـظلمـة أنتظر أن يهادنني النور وأصلك كالطيور العائدة إلى مَنْبِتِهـا الغَـرِدِ، أعـودُ لأضعَ وجـعـي على زندَيْـكَ وأبكي، أنـا البكـاءة، أنـا تغريبـة المنفـى، نفيتُ وجاد الزمن على الأهل بنعمة النسيان، وبقيتُ خارج قضايا هذا الوطن، سرتُ مجازا الميتة في حادثة مـا، جرفني الوادي في ليلة عاصفة، ولي قبر وشاهدة وأيـات للموت، وزوار يؤمونني كل جمعة للصلاة وطلب المغفرة، والغراب وسط الجوقة الهائجة ينعق في سخرية، يـكذب هذه الأسطورة الرخيصة،

وهنـا أنـا أصنع أسطورة أخرى أدخلهـا وأنـا ملتصقة بالموت، أربي الأمل لعلني أعود ذات يوم، لعل الزمن يغير ما في العقول والأفئدة، وتنهض همم الريف تـنزع عنها المفاهيم الغريبة وتخلع عن جسدي هذا الزيف الرديء الذي يجعل الشرف داخل أعضائي، أدفع ثمن الأسر لأني مربوطة بصلة وثيقة بالعرض والشرف، حتى ولو كنت المغتصبة، المنهوكـة، المظلومة، مـاعدتُ  قادرة وهذا القيد انغرس بالجسد والروح، مـاعدتُ  قادرة أن أمارس الحياة طبيعية وأنـا لستُ  كذلك، لو رذيلتي أني خطفتْ… أعتذر ياوطن وأعود إليكَ تائبة من هذا الخطف والسبي،

وأنـا سأذوب كالشمع وفي كل حلمي سأختفي وراء الظلال القادمة إليك، حتى لا أجرح كبرياءك أيهـا الـحاضن، والدافـن للسـر الـأليـم، أيـهـا المَـبْـكـى لحنيني، سأبقى مخلصة أنجب من كل الأمل طرقـاتي إليـكَ

وأنتَ عِـمْ سلامـا

بدوني أيـهـا الوطـن

Comments

comments