أحمد الصادقي .. فيلسوف المعاناة وعبقري الأرقام والطماطم

  • 0

مصطفى أينض- أعتقد أن ذللك كان في شتاء عام 91 بمدينة خودا وأنا مقيم غير شرعي في هذا البلد السعيد، هولندا. قابع في منزل أحد المحسنين الذي كان آنذاك مدمنا على  تدخين الحشيش والاستماع إلى كل أنواع الموسيقى الامازيغية  الريفية، كانت الأشرطة الصوتية هذه  منتشرة في كل أرجاء تلك الغرفة الصغيرة التي كان يشاركني فيها ذلك المحسن .

ذات ليلة، يضع المحسن شريطا صوتيا في الجهاز، فينبعث منه صوت  مزمجر لفت انتباهي بشكل مثير إلى درجة سألني المحسن عما إذا كنت أعرف صاحب هذا الصوت؟ أجبت بالنفي  فقال لي إنه ورياغلي  من دين هاخ (لاهاي).  أمعنت الاصغاء  والصوت هذا كان الوحيد الذي يمزق صمت الغرفة. كلمة  “زيان” كانت  تتكرر باستمرار … ألكلمات  تنفجر من الجهاز وتجوب  الشرق والغرب، تدافع مرة وتهاجم مرة أخرى … الغضب  كالبركان وأنهار من الحنان احيانا، وعواطف جياشة ن وتصفيقات الجمهور تعلو وتعلو ، والهتافات الجماهيرية  تذكرني بأيام الجامعة.

كان العراق يحترق آنذاك  لكن زيان لم يكن من العراق. زيان ضاع  لما  باع خونة الحركة الوطنية المغربية أرض زيان  للاستعمار  والإمبريالية. باع الخونة الطريق الذي كان ملكا  لزيان. الحلم الذي  راود عبد الكريم  الخطابي تحول إلى رماد في عيون زيان وأقرانه.

 خيانة العرب  لصدام والعراق  كانت في هذا الصوت المنبعث من هذا الجهاز أمامنا  توأم  الخيانة التي  أقصت زيان من كل ما هو له…

ستدور عجلة التاريخ ويحالفني الحظ لأسوي وضعتي القانونية، وأخرج من صمتي لأغني كما كنت أفعل من قبل. وسألتقي به. فاجأني وصدمني في نفس الوقت.  الشخص هذا لا يمكن أن يكون مصدرا للصوت الذي انبعث من جهاز المحسن. كنت أنتظر  رجلا بقامة عملاقة  ولحية غيفارا  أو كاسترو، كنت أتصوره  بلباس عسكري  وعيون ثاقبة  وزبد على الشفاه!!

لا. كان علي ألا أتصور  شيئا … فشلت هذه المرة في تصور شخص  سمعت منه صوته فقط.

إنه أحمد الصادقي. كلمة  “الصادقي” تشبه  نوطة موسيقية أطلقت على أحمد  لتسهيل  النطق باسمه. هو في الحقيقة  أحمد بن صديق، وينحدر من عائلة كبيرة  انتشرت في  الريف والمهجر. لما التقيته  في دين هاخ  على ما أعتقد، كدت لا أصدق أنه هو  من تحدث  عن تجار “أواخر  الزمان”  و “وزيان”. رجل بسيط إلى أقصى درجة  وتجاعيد نفسية على وجهه ستحكي لي فيما بعد  سمفونية  معاناته  اللامعقولة  في بلد الجمال والحريات.

أحمد الصادقي - شاعر ريفي مقيم في هولندا

أحمد الصادقي – شاعر ريفي مقيم في هولندا

إنه أحمد الصادقي  الشاعر الذي يأسر الكلمات  ويهديها قربانا للضعفاء والمساكين  والمنبوذين الذي لا حق لهم في الكلام أو عاجزين عنه. الثائر من عمق الحب  والمعاناة.

لا يهمني كثيرا شعر أحمد الصادقي بقدر ما يهمني كيف أصبح شاعرا. فأحمد لم يشمله تجمع عائلي لينقله إلى الأراضي المنخفضة ولم يستفد من تأشيرة دراسة ولا تأشيرة سياحة لينزل بحرية في  إحدى مطارات مملكة الورد والجبن والطواحين الهوائية.

أنا شخصيا لا أعرف كيف نزل هذا الشخص هذه الأرض. لكن  ما عاناه بعد النزول  قد أثر في غاية التأثير. أحمد الصادقي  لم يعش تجربة حرب و مآسي دمار، ولكن الزلزال الداخلي الذي تعرض له  سيعطي لنا نحن مهاجرا شاعرا  لا يشبهه شاعرا آخر. أحمد الصادقي شاعر بلا هوية  ولا عنوان، شاعر  يشبه الظل  يلازمنا  جميعا. شاعر يقتل الصمت  في الظلام  ليلوح  صراخا  في أفق الغد.

أن تصبح عاطلا في  مملكة الورود كما سماها  مناضلنا  محمد النضراني فيما بعد في روايته التي تحمل نفس العنوان، أمر عادي وما أكثر العاطلين والمعطلات. أن تكون عاطلا وأنت مجاز في الاقتصاد  في نفس المملكة ليس غريبا. أن تكون مجازا  في الاقتصاد وتدرس  العلوم السياسية لسنتين في مدرسة عليا بالرباط  ثم تصبح عاطلا  فهذا أيضا عادي في مملكة الورود. لكن أن  تشتغل كالعبد  في حقول الطماطم  لمدة سبع سنوات  وأنت خبير في الاقتصاد، فهذا ما يحتاج إلى مخرج لأفلام الخيال العلمي لوضع هذه الصورة في فيلم. هي المدة التي  حكم بها القدر على الاستاذ أحمد الصادقي  أن يكون فيها خارجا عن الزمان والمكان.

سبع سنوات عجاف قضاها أحمد الصادقي في حقول الطماطم وهو مهاجرا غير شرعي. هذه الحقول التي  سيترجم معاناتها في رائعته ” أمشوما أوليخا إشحار يصخصار”. ولحد كتابتي لهذه السطور  مازلت لا أستطيع أن افك  طلاسم المعاناة التي أراها  في وجه هذا الشاعر. أكاد لا أصدق أن يكون أحمد الصادقي من لحم ودم … أشم رائحة الفولاذ كلما التقيته، أحس كل مرة ألتقيه وكأنه عائد من حرب لم ينجو منها سواه.  صبره  اللامحدود  للمعاناة في  أقفاص الطماطم  العملاقة  الملتهبة  بالحرارة  طيلة العام، سينتهي  بتسوية وضعية الشاعر أحمد الصادقي. لكن  أوراق الإقامة هذه لم تغير شيئا في هذا الشاعر. فمازلت أراه  سجين معاناة الآخرين  رغم  انتهاء معاناته الشخصية.  ترى أحمد الصادقي وستحس أن هذا الشخص ديوان من معاناة الناس  فوق الأرض. لم يتغير أحمد الصادقي  سوى أنه أصبح مهاجرا قانونيا  واكتفى بسبع سنوات من العبودية والمعاناة في مزارع الطماطم  ليعود من جديد إلى المدرسة ويتخرج بشهادة التعليم العالي  كمساعد اجتماعي.

أشعار  أحمد الصادقي  رسالة صادقة  وبطاقة هوية  للمعذبين في الأرض. نادرا ما يتطرق أحمد الصادقي لموضوع يتعلق بأرضه. غالبا ما يتجرد من كل الهويات والحدود  ليعانق الإنسانية في فضائها الواسع.

كرم أحمد الصادقي في كثير من المناسبات، وألقى أشعاره  في مختلف المناسبات ومختلف  الدول. أصبح الشاعر أحمد الصادقي  شاعرنا  الذي ننتمي إليه. البساطة  والكرامة هي كل ما يملك  هذا  الرجل بالإضافة إلى عائلته الكريمة. لا يرد لأحد طلبا ولا يعرف معنى العيب  والتكبر. معاناته  المريرة  تكرس شهامة  هذا الشاعر وعدم ركوعه للإغراءات  والذل.

أحيي هذا الرجل القدير ، وأحيي صموده، ويمكن أن يكون  منبعا  للتفاؤل  لمن أراد أن ينظر إلى غده بعين  الأمل. إنه أحمد الصادقي عبقري الأرقام  وحقول الطماطم. وهناك  كتب جزء من تاريخه الخاص وتاريخ من شاركهم المعاناة والمأساة.

أعتذر إن قصرت في هذه الشهادة البسيطة،  في هذه الشخصية الفذة. وأشكره كثيرا على كل ما قدمه للثقافة الأمازيغية  بالمهجر.

ايوز أحمد بن صديق!

Comments

comments