منفى

  • 0

قصيدة للشاعر الليبي عمر الكدي*

 ها أنت ذا تخرج إلى المنفى

لا تحمل من بلادك إلا حقيبة

وعلى كتفيك أربعون عاما

من القسوة والريبة

وتحمل معك أحبابك

وما تبقى من طفولتك البعيدة

تركت خلفك كل شيء

أيامك الحزينة وتلك السعيدة

لماذا ترحل في الشتاء؟

مثلما يرحل الثلج إلى بلادك الجديدة

لماذا ترحل في رمضان؟

الا أنه يأتي من منفاه مرة كل عام؟

أم لأنه يبدأ بهلال وينتهي بهلال؟

ربما لأن العسس يغفون في فجره

فتنسل من بلادك هارباً

مثلما يختفي الظل في الظلام

ها أنت ذا تصرخ في المطارات

وتطرق أبواب قوم لا يعرفونك

أنا لاجيء فاقبلوني

تنام في عنابر مع لاجئين عابرين

وتسمع أحلامهم وكوابيسهم بكل لغات الأرض

أفغان وصوماليون وعراقيون من كل الملل

وسودانيون ونيجيريون يدعون أنهم سودانيون

ومن التبت والبوسنة وسيراليون وليبيريا

إيرانيون وأكراد وخليط من يوغسلافيا السابقة

ومن كل بلاد الطغاة وما أبقته الحروب

وسط هذه الجوقة أنت الليبي الوحيد

في معسكر اللاجئين حيث وضعت عصاك

ينادونك بعمر الليبي

عندها تتذكر أنك سليل لاجئين

لم تفقد فقط بلادك

لقد ضاعت قبلها الأندلس

في أصيلة انتظر أجدادك عودتهم إلى غرناطة

وهم يغزلون صوف غربتهم

وينسجون عباءة العودة بلا جدوى

ومن هناك جاء جدك ليزرع نسله في قريتك

وها أنت ذا تعود مرة أخرى إلى الضفة القديمة

تذكر دائما أن العودة مستحيلة

ستموت هنا مثلما يموت الغرباء

بلا مأتم ولا بكاء

مثلما يموت الفيل بعيداً عن القطيع

تخرج من الزحام إلى الزحام

حتى صارت لك غرفة

تسكن فيها وحيداً

وتصطحب هاتفاً لا يرن

وإذا رن يرن الفجيعة

هكذا وصل نعي الجيلاني

عندما مات ساجداً

وهو يطلب من ربه أن يقبضه

كفاني مما ابتليت

أيها الواهب خذ وديعتك

عندها تذكرت صرخته

“ما الذي جئت تفعله في بلاد

لست تعرف فيها أحد؟”

هل كنت قبل مماتك

حياً أم ميتاً؟

رأيتك مرة تضع إبهامك في النار ولا تتأوه

وكم رأيتك تغدو بين الجنون والعقل

سأشرب نخبك وحيدا

أخيراً نلت ما طلبت طويلاً

“وآن لك أن تستريح”

Comments

comments