المعلم ناصر

  • 0

محمد نبيل*/ المعلم ناصر و ليلى يسكنان في نفس الحي. ناصر يبيع الإسفنج و ليلى تبيع الهوى. ناصر إنسان هادئ جدا ، تغزو وجهه التجاعيد و رأسه يشتعل شيبا. منذ صلاة الفجر و حتى الساعة التاسعة صباحا، وعيناه الجاحظتان لا تفارقان دوائر إسفنجه الذي يسبح في مقلاة الزيت الضخمة السوداء.

محمد نبيل صحفي وكاتب مغربي- برلين

أمتار قليلة فقط تفصل دكان المعلم ناصر عن دكان حمو الخياط صديقه الحميم الذي، مثله، يعشق مؤخرات النساء الممتلئات. فسكان البلدة الصغيرة تعودوا على سماع قهقهات حمو العجوز القوية كلما مرت فتاة أو امرأة جميلة أمام دكانه الآيل للسقوط. أما ناصر فهو يفقد قدرته على التركيز أمام سحر أجساد نساء البلدة التي تتمايل بدلال خجول يطبع القرويات، مما يجعلهن أكثر إغواء. يقول حمو دائما ” إن بدانة النساء تخفي حرارة لا مثيل لها في الفراش”.

سكان الحي ينعتون المعلم ناصر بالحكيم، والشباب يلقبونه بالمعلم الكبير لأنه لا يبخل عليهم بنصائحه الجنسية القيمة، و التي يقدمها لهم كهدية كل مساء.

عزيز، ذلك الشاب الوسيم و الدائم الابتسامة يأتي لزيارة “المعلم” كل يوم، لعله يسعفه بحل يطفئ لهب معاناته مع النساء في سرير الرغبة، منذ اكتشف عجزه عن الوصول إلى الرعشة الكبرى .

ليلى الفاتنة التي ينام و يصحو كل رجال الحي حلما بجسدها الفينوسي، فقد بدأت في بيع جسدها منذ خمس سنوات بعد طلاقها ووفاة أمها. عيناها ساحرتان و جمال ابتسامتها لا يقاومه رجال يلتهمون جسدها الطري بنهم شهواتهم المكبوتة منذ آلاف السنين، كما تلتهم الحمير الجائعة أشواك الورود المنتصبة. فلياليها الملعونة تحت برودة وحشيتهم قلمت لسانها، و حالها بوح صامت و خوف قهري لا يخرجها من دائرته سوى المعلم ناصر.

و بينما كانا خيطا الفجر الأبيض و الأسود يتبادلان الأماكن، بزغت شمس ليلى فجأة أمام دكان المعلم ناصر الذي حدق في ساعته مندهشا قبل أن يسألها:

- ماذا حل بك يا جميلتي؟ فليس من عادتك شراء الإسفنج في هذا الوقت المتقدم من النهار؟

- كانت ليلتي جحيما من بدايتها إلى منتهاها مع خنزير آدمي ضخم لا يعرف مخاطبة جسد امرأة كأنه نشأ في مكان مقفر من بنات آدم، و طلب مني أشياء غريبة لا يتصورها حتى المجنون.. أنا لا أمانع في قضاء ليلة أو وقت مع زبون لكن ..

جحظت عيني ناصر مرة أخرى ..و نطق :

- يبدو أن شباب اليوم فقدوا بوصلة الحب و الغرام ..

تقدمت ليلى نحوه و قالت بصوت ملفوف بالتعاسة :

-عن أي حب تتحدث يا المعلم ناصر ..؟ هذا مرض لا أفهمه .. نمت مع العشرات بل و المئات من الرجال، لكن لم أر مثل خنزير أمس..

- ماذا سأقول لك .. “الله يعفو عليك من هاد الحرفة “.

- وماذا سأعمل بعد ذلك ..موظفة في وزارة الداخلية ؟ أنت تعرف جيدا، لا أحد يريد أن يتزوج عاهرة، لا يريد الرجال منها سوى ركوب خيول رغباتهم التي لا يستطيعون تلبيتها مع زوجاتهم المقدسات من العهر، ويقولون لي إنهم لا يستمتعون معهن كما يحدث معي. أما العازبون، فإنهم يتدربون معي على أصول الغرام الجسدي كي يثبتوا فحولتهم حين تزف لهم عذارى لم يقم إنس و لا جان برحلات استكشافية لتضاريسهن الغضة.

جلست ليلى على كرسي صغير تغزوه الثقب السوداء، متنهدة من فرط السهر .

- هل تدرك مدى تعاستي يا المعلم؟ فأنا معشوقة و منبوذة ..يا لها من حماقة في زمن البؤس . إنه سمٌ أصاب القلوب بالجفاف وحسرة تدمي العين، و تحول الجسد إلى أطلال لشباب امرأة يتبخر ليلة بعد أخرى.

ضحك المعلم ناصر حتى برزت نواجذه:

- يا بنتي الكل يريد خبز السوق …و يرفض خبز الدار …غريب أمرنا ..أنا أبيع الإسفنج و أنت تبيعين اللذات ..

ليلى تدخل الفرحة لنفوس الكثير من الرجال و لكنها سيئة الحظ . لم تكمل دراستها كباقي أقرانها، وأصبحت كوردة ذابلة يستنشق الكثيرون عبيرها المتلاشي، و لكن وراء تجاعيد عينيها المرهقتين يختفي سحر أنثوي صارخ وجمال لا يٌقاوم.

و بعد فترة من الصمت، تبادلت ليلى و ناصر نظرات خاصة لا يدرك معناها سواهما. فقد تعودا مرة في الشهر على اللقاء في قلب الدكان لقضاء لحظات من المتعة مقابل كيلو الإسفنج. مرت ساعة قبل خروج ليلى من الدكان، و هي تحمل عشرات قطع من الإسفنج . و قبل أن تدخل غرفتها الوحيدة التي تشكل سكنها البائس ، نطق واحد من شباب الحي …

-  ها أنت تحملين طن الإسفنج مرة أخرى يا ليلى .

فأجابته بسرعة و سخرية قبل أن تدخل غرفتها و تقفل بابها:

- لقد اشتريته من مال أبيك فهو زبوني المفضل ..

falsafa71@yahoo.fr

Comments

comments