أرض كل العرب

  • 0

عمر الكدي

منذ أن انفصل عن زوجته السويسرية تعاظم شعوره بالوحدة والاغتراب، وأيقن أنه يعيش في المكان الخطأ. حاول الهروب من كآبته بالعمل المضني، وبالبقاء خارج البيت أطول زمن ممكن، لكنه لم يعرف كيف يتخلص من هذه الكوابيس التي يجدها في انتظاره كلما أستغرق في النوم.

في إحدى الليالي استيقظ فزعا، بينما كان يهوي نحو هوة سحيقة. لم يحاول العودة إلى النوم. جلس قرب المذياع، وأخذ يعبث بأزراره باحثا عن محطات عربية ساهرة، بينما كان المطر يهطل في الخارج، وهكذا أصبح من مستمعي إذاعة “صوت الوطن العربي الكبير-صوت اللجان الثورية”.

في إحدى ليالي أرقه الطويل أستمع إلى برنامج “إلى الساهرين في مواقعهم”، ثم إلى ندوة حول مدينة العلماء. تحدث فيها المشاركون في الندوة عن المشروع الذي تبنته “الثورة” لبناء مدينة للعلماء العرب، يهدف إلى إعادة العقول المهاجرة، إلى حيث يمكن الاستفادة من جهودهم في إعادة بناء الأمة، على رأي مدير المشروع، الذي قال: “إنني أستغل هذه الفرصة لدعوة كافة العلماء العرب لزيارة المشروع. زورونا أولا ثم قرروا ما ترونه مناسبا”.

عقب مشارك آخر في الندوة فقال: “لن تخسروا شيئا من وراء هذه الزيارة، ولن تحتاجوا إلى تأشيرات لزيارة الجماهيرية أرض كل العرب”.

بعد أسبوع من التفكير قرر السفر إلى ليبيا. اتصل بالسفارة الليبية مستفسرا عن التأشيرة، فقال له الموظف: “يا أستاذ الجماهيرية أرض كل العرب، ولن تحتاج إلى تأشيرة لزيارة وطنك”.

فضل أن يستغل الفرصة ويقضي أسبوعا في ليبيا، ثم من هناك يسافر برا إلى الجنوب التونسي حيث ولد، ليزور ما تبقى من أقارب وأصدقاء لم يرهم منذ زمن بعيد.

جهز بحوثه ودراساته ومشاريعه العلمية التي تحتاج إلى ممول، وخاطب نفسه قائلا: “في ليبيا ما يكفي من الأموال والإرادة لتتحول هذه البحوث إلى نتائج ملموسة”. بحث عن إمكانية زراعة نبات الحلفا، والميكنة المناسبة له، وتذكر كيف عاش أهله على تجميع هذا النبات المنتشر بين تونس وليبيا. كانوا يعانون الأمرين وهم يتعقبون هذا النبات الذي اختار الشعاب والمنحدرات سكنا له، وتشبث بالأرض مثل النخيل، لكنه بفضل هذا النبات صار يذهب إلى المدرسة، بينما بقى شقيقه يرعى الماشية، ويساعد والده في تجميع الحلفا.

أحلام مستحيلة

لا يدري متى تفجرت الفكرة في رأسه. يبدو أنها كانت هناك منذ البداية، لكنها احتاجت إلى كل هذه السنوات لتطفو على سطح وعيه. كيف يتحول العالم ليعتمد في صناعة الورق على الحلفا، وليس على لب الخشب؟ سيكون انجازا علميا مرموقا ترحب به جمعيات ومنظمات المحافظة على البيئة، التي تناضل من أجل إنقاذ رئة العالم في الغابات المطيرة، كذلك سيكون إنجازا ثوريا يحول شمال إفريقيا إلى أكبر منتج للورق، وستكون الحلفا نفطا لا ينفد ولا ينضب.

وهو يتعقب أباه وشقيقه، كان يعلم أن هذا النبات بعد أن يكبس على شكل بالات ضخمة، ينقل في شاحنات وقطارات متهالكة ليصدر إلى أوروبا، ومن هناك يعود على شكل ورق، وحبال، وشباك مثل تلك التي يملؤنها بسنابل الشعير وقت الحصاد. في الجامعة وهو يتعقب الدوريات والإحصائيات، اكتشف أن عائلته هي أصغر شريك على الإطلاق في هذه السلسلة الطويلة، بالرغم من أنهم يدوسون الحلفا بأقدامهم.

في رسالة الماجستير سألوه عن مشروعه، فقال لهم الحلفا، وفي رسالة الدكتوراه أعادوا نفس السؤال، فأجاب بنفس الجواب. صرفوه بتهذيب إلى مشكلة تقلقهم. بعد ثلاث سنوات كان قلقهم قد انتهى إلى الأبد، ونال شهادة الدكتوراه. عرضوا عليه البقاء للعمل في الجامعة. وافق على الفور.

بعد خمس سنوات تزوج مساعدته في المختبر، وبالرغم من أنهما عاشا معا خمس سنوات أخرى، لكنهما كان يتبعان خيوطا عنكبوتية تفضي إلى أحلامهما المختلفة. كانت خيوطها تفضي إلى غابة استوائية بها حيوانات مهددة بالانقراض، بينما كانت خيوطه تنتهي حيث ولد، وإلى حيث لا يزال يعيش نبات الحلفا.

في السنة السادسة قالت له سأذهب إلى إفريقيا، وإلى غابات الأمازون. واظبت على الكتابة له، وواظب على الرد. كانت تخبره بتفاصيل الرحلة، وكان يبعث لها بأشواقه، ونصائحه العلمية. بعد سنة عادت وقد اختفى ذلك البياض الحليبي، وحل محله لون البرونز والشموس الاستوائية. كانت قد فقدت عشر وزنها. اختفى لون الأمل في عينيها، وحل محله لون عيني لبوة تنظر إلى فريسة، وامتلأ البيت بزواحف، وعضاءات، وحيوانات دارعة، وسحالي، وحيوانات لبونة صغيرة تقفز فوق رأسه من فوق الثلاجة، ومن فوق رفوف المكتبة، وصارت تفصله عن زوجته في السرير.

لم يتزعزع أمام هذا الهجوم الاستوائي. بفراسة البدوي وبتقنيات عالم معاصر احتوى الهجوم، وتبنى كل هذه الحيوانات بأسمائها الغريبة، وبعد ثلاثة أشهر سيطر عليها جميعا ما عدا زوجته.

طرابلس

رغم إلحاحه الشديد رفضت زوجته الإنجاب. قال لها أريد طفلا واحدا فقط. فقالت له ليس لدي وقت للإنجاب. آسفة ذلك لن يكون.

طوال همس سنوات أخرى رحلت زوجته خلالها نحو أصقاع باردة وحارة، وجزر منسية وصحارى قاحلة، تمكن خلالها من استئناس المتنافرات. فأر وقط. قط وكلب. أفاعي وحرباوات تصطاد الثعابين بلعابها الذي لا يخطئ، وتحول إلى أستاذ وساحر جذبت محاضراته الطلاب من كل الفروع، كما جذبت محطات التلفزيون، وأصبح بإمكانه أن ينفق على أهله في تونس. أوصل أولا الكهرباء إلى قريته المنسية، وبنى مدرسة، ومطحن ومعصرة زيتون.

في يوم مشمس استقل الطائرة المتجهة إلى طرابلس. طوال الرحلة كان يراجع الأبحاث والمشاريع العلمية، وعندما حطت الطائرة على أرض مطار طرابلس الدولي، خرج متتبعا تعرجات الجسر وهو يحمل حقيبته، ويطوي معطفه على ذراعه. وصل المسافرون إلى قاعة مكيفة، واستقبلهم موظفو الجوازات ببدلاتهم الكاكية جالسين خلف مكاتبهم الأنيقة. وقف المواطنون العرب في طابور واحد حسب التعليمات المكتوبة، بينما وقف الأجانب في طابور آخر. تأمل القاعة وهو يتقدم ببطء. رأى خريطة كبيرة لليبيا وتحته عبارة “مرحبا بكم في الجماهيرية أرض كل العرب”، وصورة لقائد الثورة بالزي الوطني، وأخرى بالزي العسكري، وقرأ لافتات خضراء شعر أنها متنافرة مع لون القاعة. “لا حرية ولا استقلال لشعب يأكل من وراء البحار”، “إن الأجراء مهما تحسنت أجورهم هم نوع من العبيد”، وعندما انتهى من قراءة “خدم المنازل هم رقيق العصر الحديث” وصل إلى مكتب ضابط الجوازات، الذي ما أن استلم منه جوازه حتى أعاده إليه طالبا منه بلهجة جافة أن يقف في الطابور المخصص للأجانب. انتقل إلى مؤخرة الطابور الثاني، وعاد يقرأ اللافتات:

“الديمقراطية ليست التعبير الشعبي، الديمقراطية هي الحكم الشعبي”، “التجارة ظاهرة إستغلالية”، وعندما انتهى من قراءة “الطفل تربيه أمه” وصل إلى ضابط الجوازات المخصص للأجانب. فتح الضابط جواز السفر، وأخذ يتصفح صفحاته باحثا عن صفحة التأشيرة الليبية. نظر إليه بعينين غاضبتين وسأله بالعربية “أين التأشيرة؟”، واستدعى ضابطا أكبر منه رتبة. قال له الضابط الكبير وهو يتصفح الجواز: “ألا تعلم بأن على رعايا سويسرا الحصول على تأشيرة قبل الدخول إلى الأراضي الليبية؟” فقال له: “لم أنتبه لهذا الأمر فعندما اتصلت بالسفارة الليبية قالوا لي العربي لا يحتاج إلى تأشيرة”. تحول الحوار بينهما إلى حوار طرشان. حدثه عن مشروع مدينة العلماء، وعن الأبحاث التي أحضرها. بعد نصف ساعة من الجدل أعاد له جواز السفر، وأخبره بأنه سيتم ترحيله على أول طائرة، وأنصرف.

موسكو

جلس على أول كرسي، ووضع رأسه بين يديه، وشعر بتعب شديد. كانت الطائرة التي قادوه إليها غريبة الشكل لم يركب في مثلها من قبل. سأل المضيفة فعرف أنه على متن طائرة من نوع انطونوف تابعة للخطوط الجوية السوفيتية، وأنها متجهة إلى بوركينافاسو، ثم إلى بنين قبل أن تعود إلى موسكو. أشترى زجاجة فودكا. كان قد شرب نصفها، عندما أخذ يغني بصوت تعتعه السكر “جاري يا حمودة”. كانت الأنوار خافته في الطائرة، وكان الظلام يخيم على الصحراء الكبرى، وعندما وصل إلى “كل الناس تبات رقودة، وأنا النوم حرم علي يا أمه”. استلقى على الكراسي الفارغة، ونام وهو يضم معطفه حول جسده.

في مطار واغادوغو ببوركينافاسو رفضوا السماح له بدخول البلاد، وكذلك فعلوا في مطار بنين، وهكذا وجد نفسه في طائرة غير مريحة، يقطع الصحراء الكبرى مرتين تقريبا في نفس اليوم. جلس في نفس الكرسي، وأخذ يحتسي ما تبقى من زجاجة الفودكا، بينما كانت الطائرة في طريقها إلى موسكو. في المنام رأى نفسه ريشة بيضاء تطير في الهواء. كان رأسه كاملا مثبتا في جذر الريشة، وتحول ما تبقى من جسده إلى ريشة بيضاء تطير وتنقلب في الهواء.

في مطار موسكو كاد أن يقع من على سلم الطائرة. اقتيد إلى مكتب كئيب، وحقق معه رجلا أمن متجهمان. سألاه عن سبب مجيئه بدون تأشيرة. تحدث عن ورطته كاملة. صوروا كل الوثائق، وصوروا أبحاثه عن الحلفا وغيرها من بحوث. ضحك في سره وقال على الأقل صوروا الأبحاث. الليبيون أعادوني وكأنني حقيبة ضائعة لم يروا ما بداخلها. تذكر حقيبته فجأة وشعر بالسخط، ربما تكون في طرابلس، أو ربما في غرب إفريقيا.

الحلقة الجهنمية

في نهاية التحقيق أخبره احدهما بأن ثمة قانون في الاتحاد السوفييتي يعاقب بمقتضاه أي شخص يصل البلاد دون تأشيرة، بالسجن لمدة أسبوع، ثم ترحيله على أول طائرة.ابتسم في البداية وهو ينصت إلى هذا الخبر. رفع يديه. حاول أن يقول شيئا ما. أرخى يديه، وغاص في الكرسي، وعندما مد ساقيه أحس أنه بدأ يتحول إلى ريشة. تحولت ساقاه إلى رأس زغبي مدبب. اختفت ذراعاه، وكذلك صدره، وبدأ يطير في عتمة ذلك المكتب الكئيب، بينما ينظر إليه رجلا الأمن بدهشة.

بعد أسبوع أعيد إلى نفس الطائرة. كان قد فقد عدة كيلوات من وزنه، ونما شعر ذقنه وشاربه، وأختلط البياض بالسواد، كما اختفت معظم نقوده. وصلت الحقيبة معه ولكن وزنها أصبح أخف، حيث اختفت علب الشيكولاطة السويسرية التي كان ينوي تقديمها إلى المسئولين على مدينة العلماء، كما اختفت سراويل الجينز، والأحذية الرياضية التي اشتراها لأبناء شقيقه.

على ارتفاع ثلاثين ألف قدم استوعب بعقله العلمي معضلته كاملة، واستنتج أنه أسير حلقة جهنمية. سيقضي أسبوعا في نفس السجن كلما وصل إلى موسكو، وسيقضي يومين بين طرابلس، وواغادوغو، وعاصمة بنين، ولن يمنح في أي من هذه العواصم تأشيرة دخول ليستنجد بالسفارة السويسرية، أو أي سفارة أخرى، وهكذا سينفق ما تبقى من عمره.

في طريقه إلى الحمام، وهو يتعثر في الممر شاهد وجها أليفا، وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد. بادله الرجل نظرات ودودة ودعاه إلى الجلوس. ارتمى إلى جواره، وأخذ يشاركه احتساء الفودكا. قال له الطيار الليبي العائد من دورة تدريبية على طائرات الميج: “أفضل الفودكا لأنها تخفي رائحتها”. هز رأسه موافقا، وهو يبحث عن أول الخيط لحكايته الطويلة، وسرعان ما أخبره بكل شيء. قال الطيار الليبي: “يا عليك ورطة!”، ناوله الكأس وهو يقول: “ما كان عليك أن تصدق هذه الإذاعة، حتى الدجاج الذي يستمع لها أكثر من الناس لا يصدقها”. استوضحه وهو يتخيل نفسه ريشة ضخمة تطير في الهواء، أجابه بأن مربي الدواجن في ليبيا اكتشفوا أن الدجاج إذا منع من النوم باستخدام الأضواء والأصوات العالية، فإنه يقضي الليل وهو يأكل العلف، فيصل وزن البيع خلال شهر واحد بدلا من شهر ونصف، لهذا ثبتوا مكبرات الصوت في أعلى جدران الحظائر، وثبتوا المذياع على هذه الإذاعة، وهكذا يقضي الدجاج ليله وهو يردد الهتافات الصادرة عن المذياع، كط..كط..كط، ويأكل بشهية من سيذبح بعد شهر من خروجه من البيضة.

ضحك حتِى دمعت عيناه. لم يضحك بهذا الشكل منذ زمن بعيد، وشعر بأنه صار خفيفا، وأن همومه فاضت مع الضحكات والدموع.

على ارتفاع ثلاثين ألف قدم كان الطيار المقاتل يفكر بسرعة، وكأن طيارة معادية تطارده. ناوله الكأس وقال له: “وجدت الحل”. نظر إليه بعيني غريق، بينما استرسل الطيار في شرح الخطة. طلب منه أن يسقط على الأرض في مطار طرابلس، وسيكون خلفه في الطابور، ويجب أن يتظاهر بالإغماء حتى تغادر هذه الطائرة مطار طرابلس، وبعد ذلك سيرحل على طائرة أخرى، غالبا ستكون متجهة إلى أوروبا. المهم هو التخلص من هذه الطائرة. وافقه على الفور، وتسأل كيف لم تخطر في باله هذه الفكرة، فقال له لا يعلمك الجيش إلا مثل هذه الحيل.

بعد أن سقط على الأرض استدعوا الطبيب، وأخذوه على نقالة إلى عيادة المطار. لم يتركه الطيار. من العيادة اتصل بصديق في مكتب التسفير العسكري، وسأله عن وجهة وموعد إقلاع أول طائرة ستغادر المطار. عاد إليه كان الطبيب قد جس نبضه، وحقنه بالتغذية الاصطناعية.

بعد ساعة اقتيد إلى طائرة متجهة إلى باريس. في الطائرة نام على الفور، وفي منامه رأى نفسه ريشة بيضاء ضخمة تطير في الهواء، فوق سهول شاسعة من نبات الحلفا، وعندما اقترب من الأرض كافح حتى أخرج ذراعيه من بياض الريشة، وتشبث بالحلفا، وشعر بالأرض الصلبة تحت قدميه الخارجتين من الزغب الأبيض.

*شاعر وقاص من ليبيا

 

Comments

comments