وفاة الفقيه مسعود بن رمضان

  • 0

عمر الكدي – كاتب وشاعر ليبي

بعد ثلاثة أيام من البحث المرير وجدوه مدفونا في الثلج تحت زيتونة اللامعة، متوجها إلى القبلة متوسدا كتبه، بينما ضم ركبتيه حتى التصقتا بذقنه، وكأنه عاد جنينا مرة أخرى في رحم أمه. عندما عجز عن المشي وحاصره الثلج من كل ناحية، أخذت أسنانه تصطك وجسده يرتعش، ولكنه بعد برهة لم يعد يشعر بشيء. توسد كتبه وأخذ يتلو سورة لقمان، وعندما وصل إلى الآية “وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت”. رأى نورا يهبط عليه من السماء، وعندها أخذ يرتفع عن الأرض حتى أنه رأى جسده تحت الزيتونة تغطيه الثلوج، ورأى طرف عباءته وهو يرتعش في الريح، ثم رأى بيته والثلج يسقط فوقه، كما رأى بيته القديم في القرية الحجرية، والجامع والخلوة وضريح جده الأكبر، ثم رأى قبر والده ووالدته وقبر شقيقه محمد والمكان الذي سيدفن فيه إلى جانب قبر نبوية وأولادها الثلاثة، وأخيرا رأى قريته مثل كومة صغيرة من الملح قبل أن يبتلعه النور الأبيض الذي كان يشع من تلك السماء المظلمة المكفهرة.

في اليومين الأولين بحثوا في كل الطرق التي تؤدي إلى بيت الشتيوي دون جدوى، وهم يغرزون عصيهم في الثلج الذي ارتفع إلى أكثر من متر، وفي اليوم الثالث تذكر مصباح كيف كان الإيطاليون يستخدمون الكلاب للعثور على الأحياء تحت الأنقاض التي تدمرها المقاتلات البريطانية، فاحضر قميصا للفقيه مسعود شممه للكلب السبع، الذي أخذ يتشمم الأرض ومصباح يجري خلفه حتى توقف تحت زيتونة اللامعة، وأخذ يحفر الثلج بقوة وعندها ظهرت عباءة الفقيه. دفنوه في نفس اليوم بينما كان الثلج يتساقط، وفي الليل شاهدوا المقبرة وهي تضيء باللون الأخضر، فأدركوا أن الله حشر الفقيه مسعود مع الأنبياء والشهداء والصديقين، فكانوا كلما مروا بقبره يقرأون الفاتحة ويشعلون الشموع. بعد سنوات طويلة وبينما كان نجيب في حصة الكيمياء بالصف الأول الثانوي، واثناء دراستهم لمادة الفسفور عرف أن الضوء الأخضر الذي شاهده أهل ماريش في المقبرة بعد دفن الفقيه مسعود، إنما هو غاز الفوسفين الذي يضيء بلون أخضر عند اتحاده بالأوكسجين في جو رطب، وعندما حدث أمه عن ذلك الاكتشاف قالت له: “غاز الفسفين..نحسابك يا وليدي تتعلم تريتك اضيع في وقتك..اسكت اسكت معادش تقول ها الكلام راهو يضحكوا عليك الناس”.

رثته سليمة بنت عبد الله بقصيدة حزينة يقول مطلعها:

“اللي قبض روحك في الثلج  نجاك من جمره وصهد ناره

زي ما غسل جبريل بالثلج   قلب حبيبه وخاتم أسراره”

 بعد نبوية المصرية تزوج الفقيه عدة زوجات قبل أن يتزوج سالمة بنت أحمد، من بينهن زوجته اليعقوبية التي لم تبق طويلا. تركت البيت إلى قريتها غاضبة، وعندما ذهب إليها لإعادتها وهو يحمل تحت عباءته بندقيته القصيرة السبطانة التي تعرف باسم الغدرية، هاجمته هي وأخواتها وضربنه قبل أن تتدخل إحدى النساء فتخلصه منهن، وعندها طلقها غير نادم، فيما بعد وبينما نجيب يطالع الكتب التي تركها وخاصة مذكراته، وجد عدة صفحات عن تلك الواقعة، كما وجد قصيدة قصيرة باللهجة العامية يقول فيه:

اللي عنده نسابة زيي ضربوني ويعضوا فيا

والله ضربوني وما دلحوا فيا بالبوني

وهم كان كيف الدبيوني عشرة يعضوا في كرعيا

ويا لو من بنت الدنوني ذالوني وفكوا الغدرية

 كرامات محمد بن رمضان

ومع ذلك لم يجد نجيب في الكتب والأوراق التي تركها جده شعرا قويا مثل الشعر الذي تركه محمد بن رمضان، الشقيق الوحيد للفقيه مسعود، والذي استشهد مع عبد الواحد جد مصباح في معركة جندوبة. استشهد عبد الواحد في السيح بعد أن اصابته قذيفة مدفع فحولت جسده إلى أشلاء. جمعوا أشلاءه في عباءته ودفنوه على عجل بينما القوات الإيطالية تعبر الطريق الترابي المحاذي للمقبرة نحو غريان، أما محمد بن رمضان فأستشهد هو وحصانه وهو يغير على القوات الإيطالية. شق خطوطهم وهو يطلق النار يمينا وشمالا، بينما كان ينشد أهازيج الحرب، وعندما حملوه إلى المقبرة احصوا ثمانية وعشرين ثقبا في جسده. كان شخصية غريبة نادرة المثال، وبالرغم من زواجه من عدد كبير من النساء لم ينجب على الإطلاق. استبقاه والده معه بعد أن فشل في الكٌتاب فشلا ذريعا، ومع الوقت تركه لحاله عندما اكتشف فيه مزاجه الحاد وغضبه العجيب، فكان يختفي من القرية عدة أشهر ثم يعود بملابس قذرة وشعر أشعث، ومع الوقت بدأت كراماته العجيبة تتكشف. ظهرت كرامته الأولى عندما كان يحصد الشعير في قطيس. ذهب ليسقي حماره من البئر فوجد قبائل الحرارات يسقون أغنامهم. طلبوا منه الانتظار فرفض واشتبك معهم. هجموا عليه وضربوه بعصيهم وطردوه، فرجع في نفس اليوم إلى ماريش. مر وهو يحمل فأسه من أمام الجامع حيث يجلس الشيوخ. لم يحييهم أو يطلق عليهم السلام. توجه مباشرة إلى ضريح جده الماريشي الكبير. قفز فوق القبة ودار حولها ثلاث دورات، بينما الشيوخ يسمعونه وهو يصيح “والله والله لو ما تأخذ لي حقي في ها الثلاثة أيام انكسرك وانبول عليك”. في اليوم الثالث أوقدت إحدى نساء الحرارات التنور لتخبز خبزها فانتشرت النار من التنور لتلتهم كل الشعير المزروع، ثم تلتهم النجوع. لم يصب النار أحد منهم لكن النار التهمت قوت عامهم. بعثوا بوفد إلى ماريش ليقدموا له الاعتذار لكنه رفض اعتذارهم بالرغم من إلحاح شقيقه مسعود. نظر إليهم بكبرياء وقال قصيدته التي ظل اهالي ماريش يرددونها من بعده:

“أنا جدي فارس حيطوم أخذ نجع السودين في يوم

أنا جدي خليفة جدي بارودي ما هوش مندي

ويطق علي الميعاد واللي انوشه يريح رماد

كيف بيوت ضراري البدي”.

أما كرامته الثانية فظهرت في أواخر العهد العثماني الثاني عندما جاء موظف على فرسه البيضاء ومعه سجله ليخرص محصول الزيتون. وقف عند إحدى أشجار زيتون محمد بن رمضان، فقال له شيخ القرية هذا لا يخرص له أحد. رفض الموظف وطلب استدعاء محمد بن رمضان، الذي ما أن وصل حتى أخذ يوبخ الموظف، واشتد الكلام بينهما مما دفع بمحمد وهو في إحدى نوبات غضبه العظيمة إلى الهجوم على السجل وتمزيقه، وعندها نزل الموظف من فوق فرسه ليجلد بسوطه بن رمضان، إلا أنه وبمجرد نزوله سقط على الأرض وبدأ جسده في الانتفاخ حتى كادت ملابسه أن تتمزق، وأخذ يتوسل لشيخ القرية أن يعيد محمد بن رمضان الذي انصرف غاضبا، وعندما وصل الخبر إلى الفقيه مسعود أرغمه مع عدد من رجال القرية بالقوة على العودة إلى الزيتونة، بحجة أنه سيتسبب لهم في مشكلة مع الحكومة، وبعد ساعة عاد فوقف على رأس الموظف المنتفخ ثم ضربه بطرف عباءته قائلا له قم، فبدأ الرجل يعود إلى حجمه السابق وهم يسمعون صوت الريح يخرج من مؤخرته، ومنذ تلك الحادثة اختفى الموظف ولم يقف أي موظف آخر تحت أشجار زيتون محمد بن رمضان.

يروي الفقيه مسعود أنه ذات مرة كان نائما بجوار شقيقه عندما أخذ يصرخ في الليل. كان يود إيقاظه لعله تعرض إلى كابوس. تكرر الصراخ عدة مرات ثم توقف. في الصباح سأله عن سبب ذلك الصراخ. فقال له: “خليك في حالك وخلي الناس في حالها”، وعندما ألح الفقيه مسعود في السؤال قال له كان هناك مركب في البحر يغرق، واستنجد الناس بالصلاح والأولياء لإنقاذهم ويبدو أن أحدهم استنجد به، فظلوا طوال الليل وهم يكافحون حتى تمكنوا من إنقاذ المركب عند الفجر. يقسم الفقيه مسعود أنه رأى جرده مغطى بالملح في ذلك الصباح، وعندما نفض لحيته وشعره تساقط منهما الملح.

عندما بدأت البوارج الحربية الإيطالية تقصف طرابلس أخرج الفقيه مسعود إحدى السبائك الذهبية، وصرفها كاملة لشراء السلاح والخيول والذخائر. جهز مقاتلي ماريش والقرى التي حولها، وودعهم وهم يزحفون نحو طرابلس بالدعاء وأهازيج الحرب وبالطبول. وصلوا إلى طرابلس في اليوم التالي ورابطوا في الهاني وشارع الشط في انتظار الإنزال الذي كان يعد له الإيطاليون، وفجأة عاد محمد بن رمضان من إحدى غيباته الغامضة وعلم بسفر المقاتلين إلى طرابلس، أخذ يركض على حصانه بين ظهرة الزعفران ورأس المازولي وهو يشهر سيفه الذي ورثه الفقيه مسعود، والذي انتقل فيما بعد إلى نجيب ولا يزال معلقا في غمده في صالون مربوعته. كان يركض وعندما يصل إلى النساء المتجمعات تحت زيتونة الوداع، وهي آخر زيتونة على طريق طرابلس، ينحني نحوهن ويقول فلان طاح. ذكر ذلك اليوم أربعة أسماء جميعهم استشهدوا في معركة شارع الشط والهاني.

 فيما بعد لم يغب وحضر كل المعارك حتى سقط شهيدا في جندوبة. روى المجاهدون قصصا عجيبة وهو يرافقهم في المعارك. كانوا عندما يعطشون ينظر إلى السماء وإذا شاهد سحابة واحدة ينظر نحوها ويقول: “علي الطلاق إلا ما تصبي”، فتنهمر المطر عليهم. يشربون هم وخيلهم، ويملأون مطاريهم.  لم يعرف عنه التدين على خلاف شقيقه، ولم يحضر حضرة واحدة يهيم فيها ويغرز الخنجر في بطنه. كان فمه مليئا بالشتائم والهجاء، ولم يصادق أحدا على الإطلاق، ولم تبق معه زوجة واحدة أكثر من عام. تنتهز غيابه فتجمع أغراضها وتهرب منه، ومع ذلك عد قطب من الأقطاب ومن رجال الله الصالحين. في كامبريدج عثر نجيب ذات يوم على كتاب في مكتبة الجامعة يتناول الباراسيكولجي، وهو علم يدرس الظواهر الخارقة لبعض الناس، مثل التخاطر عن بعد والتنبؤ وتحريك الاشياء عن بعد فوجد أن الكتاب يفسر بطريقة منطقية القوى الغامضة التي كان جده محمد يمتلكها، لكنه فشل في إقناع سكان ماريش بها.

في تلك الأيام عندما احتل الطليان طرابلس قالت سليمة بنت عبد الله قصيدتها الشهيرة التي يقول مطلعها:

“يا طرابلس باعوك بالمكرونة خشك شمنديفير شين عيونه

يا طرابلس باعوك بالشكلاطة خشك شمنديفير شين عياطه”.

 والشمنديفير هو القطار كما يسمى باللغة التركية.

*كاتب وشاعر ليبي

Comments

comments