رقم آخر في السرداب

  • 0

طالب ك إبراهيم – أسراب غرف التحقيق في الطابق الأرضي، وهي متلاصقة بجوار بعضها البعض تطل على “كاردور” جامع… يتوسطها غرفة تواليتات..

مقابل الباب المطل على ساحة صغيرة قبل غرف التحقيق درج ينزل إلى العنبر السفلي حيث أسراب المهاجع التي يوضع فيها المعتقلون موزعة على جانبيه وفي نهاية العنبر أسراب المنفردات على اليمين واليسار وفي الصدر غرفة أخرى للتواليتات..

باب حديدي من القضبان المعدنية كان يفصل المهاجع عن المنفردات وقد تم انتزاع ” درفة ” منه..

لسبب ما وضع هناك ولسبب آخر تم انتزاعه..!!

علّقت لوحة بالخط الرقعي في أعلى السرب الأول للدرج الهابط وهي آية  “وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون …”

في نهاية حفلة التحقيق كان سرب الجلادين يحيلوني إلى بطانية عسكرية ويجرونها لعجزي عن السير أو الوقوف.. يجرونها فوق الدرج النازل و فوق أرض العنبر حتى أصل إلى منفردتي، ليقذفوني إلى الداخل ويغلقون الباب جارين البطانية معهم وذيول انتصار مركزي التأثير صقيعي الأطراف.. الشكل الذي أسقط  به  داخل المنفردة أبقى عليه لعجزي عن الحركة إلى حين جرّي ثانية إلى الطابق الأرضي..

لقد كان اسمي: 15 في ذاك الفرع، في فرع آخر كان اسمي 42

كانت العتبة الحديدية  الفاصلة بين المهاجع في العنبر السفلي تحقق الانتصار الكبير على محز ظهري الوردي وأنا أُسحب على سرب مساماتها الطرية تلك فوق ريش نعام البطانية العسكرية..

مرت الأيام ببطء شديد.. وفي زمن خارج اللحظة سحبني الجلادون إلى المهجع الخامس وقذفوني فوق أرضه الصلبة..

جاء من يسألني بصوت ضعيف عن اسمي، خرجت”15″ لوحدها تجيب، عاد الصوت الدافئ من جديد:

-         أنا محمد وأنت؟

للمرة الأولى منذ وصولي إلى هذه الدار الواسعة والمتدفقة جلاد تلو جلاد..يلتئم حولي سرب من البشر المقطوفين كأغصان الشجر..!!

لقد رأيت ذلك عبر خوفهم المصبوغ في أسراب عيونهم المنتوفة أو الهاربة أو الراحلة أو الصامتة..!!

وفي لهفة ذاك اللقاء اقترب مني أحد الخائفين وقال بصوت ناعم ورقيق:

ـ كيف الصحة..؟!

لم أقو على الرد لم تطاوعني قواي ولم يطيعني قلبي الذي خفق لبهجة اللّقيا المتربصة..

لقد وجدت المزحة تلك غليظة وثقيلة وباهتة وليست في مكانها ولا زمانها..

إنها ببساطة  ليست في محلها..

في الفترة التي كانت تشفى جروحي كانت جروح الجوع تخز تفاصيلي فأشرب الماء عل الماء يهدئ من زئير الوحش الهارب من عقاله.. دون جدوى..!!

ـ يا شباب..يا شباب.. الجوعان يشرب ماء من الصنبور يمكن يمشي حاله..

ولا يمشي الحال على الإطلاق..

أول من نزل بعدي محمولاً على البطانية العسكرية كان راعي غنم من المنطقة الشرقية وسُئل كما سُئلت عن الصحة فأجاب بصوت كسير:

ـ منيح كتير ..كتير.. هون في فيء.. “ظل”..

كان لدينا نوعين من العلاج لجروح التحقيق ولا أقصد النفسية منها بل الجسدية..

الأولى ماء مع الملح والثانية زيت عباد الشمس.. الأولى كانت معقولة أما الثانية فلا أعرف من اقترحها كعلاج.. الزيت يطري الجلد واللازم أننا نحتاج إلى ما يقسّيه..قد يفعل الملح ذلك..!! و الزيت غال جداً.. ومكلف  حتى يصل إلى المهجع الخامس في مركز العاصمة  من هذه البلاد الموبوءة بالحديد.. ولأنه غال كان غالبية المعتقلين عندما ينزلون من جلسات التحقيق تلك ورغم سحلهم ودمغ أجسادهم بحديد الكراسي والكرابيج ورغم عجز غالبيتهم عن الكلام عندما يقذفون إلى داخل المهجع من شرفة البطانية العسكرية كانوا يطلبون دهن أجسادهم ـ عفواً فقط جروحهم ـ بالزيت وفي النهاية خلصت قنينة الزيت فملأناها بالماء والملح يومها قال الراعي السابق:

ـ لما جاء دوري  في التحقيق خلصت بنت الحلال.. وكان يقصد قنينة الزيت.. لكنه كان سعيداً للغاية..

لقد كان يجلس في الظل دائماً..!! وأكد أنها من المرات القليلة في حياته التي يجلس فيها تحت سقف..

وقد كان سروره عظيماً حين قُذف سيده من متن البطانية فوق أرض المهجع وعولج بالماء والملح لا بالزيت.. وكان يجلس مقرفصاً مثله تماماً وكان يخدم نفسه بنفسه ويشرب مثل كل الموجودين.. ويجوع ايضاً..

وقف مرة أمامه ورفع طرف “جلابيته” وبعينين ملؤهما السعادة قال:

ـ يحيا العدل يا بوي.. يحيا العدل.. لقد شعر أنه وسيده القاسي والذي عذبه وآذاه كثيراً يمران في نفس اللحظة و نفس المكان بنفس المشاعر والإهانات.. إنها المرة الأولى التي يرى فيها سيده القذر ذليلاً وجائعاً وتائهاً مثله يا سبحان الله..!! لقد كان وجود سيده في السجن هناك مدعاة لفخره.. طوبى لهذا المهجع الأممي الذي رعى بين حيطانه القذرة كل أصناف البشر ومن كل الجهات.. وطوبى لهذا المكان السحري الذي وحّدهم كلهم بالشقاء على الرغم من اختلافاتهم  واختلاف ألوانهم وشحناتهم ..

ـ كيف الصحة..!! مع قادم جديد جاء من المناطق الساحلية هذه المرة.. كانت هادئة وناعمة و ربما.. خائفة..

في البداية اعتقدت  أنها أكثر” نكتة” ساذجة وسخيفة وفي غير محلها ..لكني فيما بعد وجدتها  لطيفة ثم وجدتها جميلة ثم وجدتها معبرة ودافئة وفي مكانها وزمانها ..إنها المقاومة المناسبة في المكان المناسب..

في مكان يعجز فيه الكائن عن مقاومة كل هذه القسوة وكل هذا الركام تأتي السخرية كأنجع سلاح … وبأقل التكاليف.. أقلها على الإطلاق….

الصورة:

http://www.anoual.net/wp-admin/post.php?post=999&action=edit

Comments

comments