اللجوء في ماركت المواد المستعملة

  • 0

طالب ك. إبراهيم- في مفصل الطريق إلى ماركت المواد المستعملة، اتصل صديق من الوطن مطمئناً.

بالأمس اتصلت الزوجة المهجورة بفعل المنفى..

طالب ك إبراهيم - قاص وشاعر سوري

طالب ك إبراهيم – قاص وشاعر سوري

القصيدة التي تسربلت في زوايا الورقة تنقصها كلمات دافئة، البرودة تلك لم تكن بفعل المنفى .. لا .. لا … إنها من زمن قديم من برودة قديمة، من برودة الوطن في ثنايا السجون..

وسط الماركت المستعمل وقف يتذكر ماذا يريد بالضبط، وهل يصلح ماله ثمناً ؟!

كانت أشياء الماركت تتأرجح حاملة أسعارها بصمت، وكانت باردة كمفاصله.

سمع اعتذاراً كأنه وشوشة:

-آسفة كنت أريد أن أعبر لكنك..!!

عجوز في الستين من العمر ترتدي كما كانت جدته ترتدي، لوهلة تساءل أين أنا ثم تذكر.

قالت ذلك بهولندية بسيطة تشبه ما يعرفه، لغة بسيطة تميز أولئك الذين يرتادون عن وعي ماركت المواد المهجورة.. عفواً المستعملة..

و ربما أيضاً تختصر المسافة بين لاجئين في مفصل المنفى المستعمل.

في غفلة منه عرفت من يكون وماذا يريد ولماذا هو في المنفى، وفي غفلة تشاركا لحظة صراحة اختصرتها برودة الماركت ذاك..

بهولندية بسيطة وانكليزية تائهة مشّطت فكرتها عن هذا المنفى.

عنصرية، انهيار أخلاقي، لا يعرفون الله..

الأخلاق أتت عربية واضحة، فسألها من جديد إن كانت عربية فنفت، ونفت أن تكون إيرانية أو أفغانية.

تداخلت العنصرية المستعملة مع الإذلال “الوطني” التي تعرض له في فروع الأمن التي اعتقلته وحققت معه وعذبته، وفي السجن الذي اختصر شبابه، وفي تفاصيل الحرية الضائعة، في تهجمات طائفته، واضطهاد الطوائف الأخرى..

من العاصمة “الوطنية” إلى المدينة الخاصرة توزعت الداعرات على حواف الطرق يبعن كل شيء ماعدا المتعة، الانهيار الأخلاقي ترجل عن كاهل الضابط الذي اغتصب زميله.

قامر بحياة تلك المرأة التي عرضت نفسها للصيدلي مقابل دوائها، واختبأ في محفظة ذاك الفتى مع “الكاندوم” الذي سرقه من رف شارد في الصيدلية الأخلاقية تلك..

“العاصمة “الوطنية” التي توزعت فيها المآذن في كل التفاصيل لتردد الآذان، وتسترسل في دعائها في زوايا الخاصرات، وتحت سقف المناجل والملاحم والرفيف، وفي مآقي العين وفضاء الروح.

آذان يتردد في عاصمة الخوف مدفوعاً بأبدية النداء وجوع الفكرة.

انهيار أخلاقي مقونن، هكذا رددت أيضاً وأيضاً بعربية صريحة، كفر وإلحاد، لا وجود لله هنا، الله يسكن تلك البلاد التي جئت أنت منها..

لأنه أتى من بلاد يقاسمك الأمن ومفارز العسكر حياتك ونفسك وعرقك، اعتقد أنها تتعامل مع الأمن، ثم تذكر أنه ليس في بلده، بلد الخوف والأمن ومفارز الأوهام.

كانت تتحدث، وتعيد أخلاقياتها المتكومة حين وجد كتاباً باللغة العربية لم يتأرجح سعره عليه، أخذه وسأل البائع عن ثمنه، ابتسم بهدوء وقال أنه لك هدية، للأسف ليس لدينا أي كتاب آخر باللغة العربية.

في صباح عنين آخر، وأمام المكتبة العامة،  وقف رجلٌ، كان يبدو كشحاذ أضاع طريق العمل، وجاء يسرق من صمت الناس قلقه أو بحثه أو متاهته.

اقترب  بهدوء، وتحدث عن هذه البلاد الكافرة التي يسكنها منذ أكثر من عشرين عاماً، تحدث بهولندية تائهة ممزوجة بانكليزية حزينة، وحين تهاوت كلمة الأخلاق بعربية واضحة، بدأ المنفيّ من جديد يبحث عن تلك العجوز الأخلاقية المستعملة في متجر الأدوات ذاك.

Comments

comments