الحب في أكثر حالاته سطحية

  • 0

ابراهيم حمودة- أن تكتب عن الحب تكون كمن يكتب عن قطعة موسيقية ” تبدأ وقتما تبدأ وتنتهي حين تنتهي” بحيث لا تعتمد في ذلك على عامل خارجها. الكتابة عن الحب وحواليه مثل الكتابة حول لوحة بحيث لا تغنيك الكلمات عن الحضور البصري للظلال والألوان. وكذلك أمر اللغة إن أبى لودفيج ويتغنشتاين إلا وأن يطل من الركن المجاور.

إبراهيم حمودة - صحفي وناقد فني سوداني

إبراهيم حمودة – صحفي وناقد فني سوداني

قلت للمياء والقطار يوشك أن يبلغ وجهته الاخيرة، إن الحب مثل قرميدة تسقط من السقف لتصادف من كتب عليه الشقاء، أو السعادة في أحسن الاحوال (لم لا؟).

أو مثل فاجعة متربصة تنالك وأنت في الطريق لشراء خبز أسمر من متجر المهاجر الكردي في المنعطف المقابل بعد حانوت الجنس شبه المهجور نهارا ، والذي ربما يعود تأسيسه للعقد التالي للبداية الافتراضية للثورة الجنسية، على وجه الدقة عقب اكتشاف اقراص منع الحمل.

للحب حلات وللجنس أخرى ، وحوانيت ايضا. هنا تباع قضبان ذكورية ذات ألوان فاقعة تفضح الايحاء بحالة كونها اعضاء ذكورية، وفراشات مريبة الشكل اقرب لعناكب، ودهانات وزيوت .. ليس في ذكر محتوى المتجر من فائدة تذكر أكثر من المعلومة القائلة أن ثقافتنا الماثلة تجنح لصنع كل شيء بما في ذلك السعادة. مجتمع الكفاءة وحسن الاداء لم يترك الحب يفلت من حقله الذي يتحكم فيه.

ذكرت ويتغنشتاين، وحرى بي أن اذكر اثنين من رفاقه حتى تكتمل الصحبة وأنا في حضرة الحب لم أغب فيها بعد مثل غيبوبة درويش متشنج. الفرنسي باسكال بروكنر والهولندي كون سيمون. كون سيمون أصغر الفلاسفة الهولنديين والفائز بكأس سقراط التبادلية لهذا العام التي حصل عليها بكتابه : “مرافعة لأجل السطحية” التي اقتبست منها ايحاء عنوان كتابتي أعلاه. وتميز سيمون على رصفائه من الفلاسفة الهولنديين الكبار أنه يتطرق إلى مواضيع غير مطروقة خلافا للكبار المهيمنين على الساحة أمثال هانز آخترهاوس الذي صرف جل اهتمامه لموضوعة العنف التي ابتدرتها حنا آرندت في منتصف القرن الماضي.

“لقد صرنا أحرارا كما لم نكن من قبل في أن نقع في الحب ونمارسه في الواقع العملي، ولكن القيود التي تحف بالعلاقة العاطفية قد كثرت”

باسكال بروكنر، لأنه فرنسي وتعودت من الفرنسيين شق طرق وعرة لا يقدر الآخر على تتبع خطاهم فيها بسهولة ولكنها تمهد لهم التوغل في طرق جانبية تفضي بنا كل إلى وجهة ما، و لفرط بهجتهم أيضا. مثل فوكو الذي كتب عن تاريخ الجنسانية منبها ايانا الى الكم الهائل من النصوص التي تنظم وتضبط الجسد والرغبة  وكامل حقل الجنسانية دون أن ترد فيها كلمة (جنس) على الاطلاق. كتب بروكنر منتقدا الثورة الجنسية بالاشتراك مع ألان فينيكلكراوت، والثورة الجنسية وما يتعلق بها تصيبني ليس بالفضول فقط ولكن بالشك في حدوثها أصلا.

هل الحب بهذا التعقيد حتى تكون صحبتي بهذا البهاء، بروكنر وسيمون؟ كتبت في نص قديم أننا لا نعرف من العشق غير ظاهره، ذات الجهل الذي يدفعنا للبحث عن ماهية الحب وسره وكيفية حدوثه والكيمياء التي تقف خلفه.

تقول نون المغرمة ببحث تفاصيل الأشياء حتى قاعها، الحب إدمان فحسب. مثل إدمان النيكوتين والمخدرات والكحول. يمكنك الإقلاع عنه بعد معاناة تشبه معاناة من يتوقف عن المخدرات دون استخدام عقاقير مساعدة، طريقة تعرف بـ : ديك الروم البارد، وهي ترجمة ( كولد تيركي). ستصاب بتقلص وآلام في العضلات وفقدان شهية وانعدام تركيز، الى آخر الاعراض التي يبديها المدمن الحقيقي. ليست المعاناة خلف الحب والحرمان منه بهذه الرومانسية التي نسمعها في الأغاني، فالسعادة التي تسببها رؤية المحبوب تعود لمادة الدوبامين التي يفرزها الدماغ لتنساب للجسم مسببة نشوة وسعادة ننسبها للحب.

حين تفارق الآخر يقل إفراز مادة الدوبامين الأمر الذي يلحظه الجسم ويستجيب للآثار الجانبية الناجمة عنه، اضافة الى أن الأجزاء الأمامية  من الدماغ لدى المدمنين تقل فيها المساحة الناشطة من المخ المسئولة عن الارادة والعزيمة وتكبر المساحة المستجيبة للمتعة. فالضعف أمام المحبوب أمر يعود للطريقة التي يتشكل بها الدماغ تكيفا مع حالة معينة.

أما من زاوية علم الاجتماع فإن مفارقة المحبوب تعادل موت شخص عزيز وقريب ، لتصبح الإشكالية إشكالية تكيف أكثر منها فقدان محبوب. ايقاع اليوم من بدايته يجب أن يضبط على شخص واحد بدلا عن شخصين، الأكل ، النوم، التسوق، النزهة، مشاهدة التلفاز الى آخر التفاصيل اليومية. يحدث التكيف بالطبع بإبدال نسق من الحركة والسلوك بنسق آخر جديد وهو أمر يتطلب الوقت الذي يلزمه.

إذن لا (يا مسهرني) ولا يحزنون. هذا على الأقل من وجهة النظر العلمية المجتهدة اجتهادا يسقط في بئر الادعاء في بعض الحالات. هذا ما يحاول أن يقوله الفيلسوف الهولندي الشاب كوون سيمون (بضم الكاف) في مرافعته من أجل السطحية. نحن نعول على العلم أكثر من اللزوم ونتوقع من العلم أن يحل كل إشكالاتنا بطريقة تحول بين الشخص وبين الاستفادة من تجربته والبداهة المشتركة للناس. أصبحنا نعتمد على العلم  في كل صغيرة وكبيرة. خذ مجال السياسة ، أصبح النقاش  حول القضايا الكبرى في البرلمان غائبا، القضايا الكبرى بما فيها الاجتماعية تحال لمكاتب بحث متخصصة تقتل الأمر بحثا وتجري ما يلزم من استفتاءات وتقدم نتائج وتوصيات جاهزة ليصير النقاش حول نتائج البحث وتوصياته بدلا عن نقاش القضية بشكل مفتوح والأخذ والرد حولها.

في ذات السياق يجئ العلم متدخلا في حقل الجنسانية والحب مقدما ما لا يحصى من المبتكرات من تحفيز الليبيدو الى التحكم في المزاج واستدراج الآخر بمادة الفراشة الاسبانية المسكوبة خلسة في كوب العصير. لا يختلف في ذلك الشرق من الغرب. الغرب بآلاته وأدواته العملية والشرق بفلسفته الجانحة نحو الداخل وروحانياته من الكاماسترا الى تمارين الاسترخاء التي تفتح مجاري الـ (شكرات) من شاكرا التاج الى السرة.. وكعادة أهل الشرق لا ينهمكون كثيرا في كيف هو الحب وماهيته ولكن كيف لك أن تكون حبيبا حسنا وجيدا.

ولكن كيف حدث لنا اليوم أن نستدرج جميعا لهذا الفخ الموحي بأن الاشياء تصنع والزاعم بسيادة العلم والتكنولوجيا وامكانية تحكمها في هذا المجال؟

باسكال بروكنر يقول بأننا نتوقع من الحب أكثر مما في قدرته، نتوقع منه أن يمنحنا السعادة والإثارة كلها وباستمرار، إن لم يحدث ذلك نصاب بخيبة الأمل العظيمة التي لا مفر منها.

لنقارن ذلك بتوقعنا ومطالبتنا من الحكومة أن تجعلنا شعبا سعيدا، في وقت لا تستطيع فيه اي حكومة دفع شخص للإحساس بالسعادة التي يجب أن تنبع من داخله. بهذا المعنى فإن قطاع الطرق في السودان أفضل حالا وأكثر واقعية في التعامل حتى مع أشياء عملية. تقول الحكاية إن دعاء قطاع الطرق الذين يطلق عليهم (الهمباتة) ينحصر في طلب الصحة والعافية طالبين من الله أن يترك مسألة الرزق عليهم.

لقد صرنا أحرارا كما لم نكن من قبل في أن نقع في الحب ونمارسه في الواقع العملي، ولكن القيود التي تحف بالعلاقة العاطفية قد كثرت بحيث أصبح الأمر أكثر تحديدا من ذي قبل: لون الشخص وحجمه وطريقة كلامه وعمره، أصبحت تشكل عاملا حاسما في إقبال الآخر عليك وقبوله بك. كان من السهل قديما أن تلقى باللائمة على القبيلة والأسرة والطائفة الدينية إذا تعذرت العلاقة العاطفية. أما باستقلالية اليوم والفردية التي تحكم مجتمعاتنا فإن الشخص لا يستطيع ان يلوم غير نفسه مما يجعل التراجيديا اكبر في العلاقات العاطفية.

يشير بروكنر الى مسألة أعتقد أن لها علاقة بعصر التكنولوجيا الرقمية الذي ننتمي إليه وهي تفصيلة أن ما نشاهده في يوم واحد من أخيلة وصور وإعلانات ورسائل بصرية يساوي ما يشاهده المرء في كامل حياته في السابق. وهذا قد يفسر ثقافة السياحة التي أصبحت تطبع الحب. نريد اليوم أن نجرب كل شيء في الحب مثل زائر لمدينة الملاهي يريد ان يجرب كل اللعبات بحثا عن اثارة مختلفة أو لذة غير متناهية. ذات الأمر الذي دفع بصديقي للاستهجان من حياة الناس الجنسية في الغرب حينما تطرقنا في حديثنا للسادو ماسوخية وحفلات الجلد بالسياط. تحسر صديقي على إضاعة الليل في اسلام الجسد لضربات السوط قائلا بأن هؤلاء الناس قد غلبهم الجماع.

هل للحب وجه آخر؟ نعم . وجه الاستثمار والمكابدة . العرض الصامت لعقد غير مكتوب يقضى بالاستخدام المتبادل لأعضاء الآخر التناسلية بحسب فردريك نيتشة. أما باسكال بروكنر فيسميها المكافأة مشبها الحبيب بالصيرفي أو المضارب في البورصة كلاهما يهدفان الى الحصول على أكبر عائد لاستثماره.

Comments

comments