رأي: زينب البيلي
(1)
المنتقم السوري غسان المفلح
إمعانا منه في محو البارحة في كل خطوة، يشن المعارض السوري، غسان المفلح، هجوما ضاريا على كل الجبهات، كما فعل في كل مرة، المشترك الوحيد في حملاته العسكركتابية هو التخلص من آثار اليسار التي يعاني منها، فالكاتب كان في يوم من الأيام رفيقا في إحدى التنظيمات اليسارية ـ جدا ـ في سوريا ودفع ثمن ذلك سنوات من عمره في السجون.
في مقاله بتاريخ 15 /5 في جريدة إيلاف بتساؤل ” هل من خطاب مناسب للثورة السورية ؟ “، يعود المفلح إلى اجترار حربه الكلامية على رفاقه القدامى، فيما يعجز عن ملاسنة غيرهم رغم توفر النوايا من باب الحنين القديم والكينونة: “خروج الثورة من الجوامع .. ازعج اليسار وغيرهم من العلمانيين .. وراح العلمانيون هؤلاء يستفيدون من هذا الوضع الثوري في علو صوتهم وإقامة لقاءات علنية في سوريا وراحوا أيضا أبعد من ذلك، منهم ذهب ليساوم السلطة لتحسين وضع التيارات البائسة هذه “فيما حين يأتي على ذكر ” الممانعين يختصر بالإشارة العابرة :التظاهرات مؤامرة على المقاومة، وهذا تبناه حزب الله ولا يزال يسوق له” ، تتحول الثورة هنا إلى تظاهرات باستحضار من اللاوعي أو لأسباب يعلمها المفلح والمشرفين على خياراته الجديدة.
تنفلت الكلمات من المفلح لتعكس وعيا سطحيا لا يختلف كثيرا عن أغنيات المصري شعبان عبد الرحيم فيعتبر أن القاصي والداني وحتى حسن نصر الله يدركون أن” إسرائيل هي الداعم الأساسي للعصابة الأسدية الحاكمة” !! دون أن يكلف نفسه في مقالاته الانتقامية الغزيرة العلاقة بين إسرائيل والعصابة الحاكمة في سوريا، وينعت البطريرك الماروني بشارة الراعي ب”البطرك الكذاب ” وحزب الله ب ” قلة ضمير منقطعة النظير ” واليسار ب ” البائس ” ولم يبق في النهاية إلا أناه ليرشحاه للتوسط بين المنتَقمين ” بفتح النون ” والمنتقم الثائر بحسم الحوار الذي لم نر منه إلا تلك الأوامر المنتهية بشتيمة: “قولوا لنا أي خطاب من الثورة تريدونه .. لكي نفتح حوله مناظرة مع شباب الثورة على الأرض ولنر ماذا سيقولون ؟ كفى كذبا.” وكأن لسان حاله يقول للقارئ وللجماعات أعلاه وللعالم أجمع بأنه قائد شباب الثورة على الأرض ومنظّرها في السماء.
(2)
محمد فضل الله وفوكو ودريدا لدعم الفضائية العبرية
من بداية مقاله في جريدة الأخبار اللبنانية 15/5 ، يوهم محمد فضل الله قارئه بأن ثمة فكرة عظيمة ستأتي، أو أن ثمة ” كرسي في الكلوب ” كما يقول المثل المصري، إلا أن متابعة فضل الله مع أفكاره المتكأة في المقدمة على كبار المفكرين مثل كلاوزفيتز وميشيل فوكو وإدوارد سعيد وكلود ليفي شتراوس سرعان ما تشطح به إلى جمل سطحية لا تشوه المقدمة فقط، بل تطرحها أرضا وتصيبها بالعته، فيتحول، حسن نصر الله، بشطحة واحدة إلى ” العربي الوحيد الذي تسمعه إسرائيل عبر التاريخ ” معتقدا بذلك أنه يضيف بعدا وثنيا جديدا لشخصية زعيم حزب الله اللبناني: “اليوم يستمع أصحاب القرار في تل أبيب والجمهور الإسرائيلي عموما لخطابات السيد حسن نصر الله، هذا الرجل قادر على تنفيذ ما يعد به، إنه العربي الوحيد الذي تصغي إليه إسرائيل “!!!!!، إشارات تعجب كثيرة تضطرنا عليها كينونة نصر الله واتهامه بالعروبة، رغم أن نصر الله يفتخر بعظمة لسانه بكونه ” جندي في حزب ولاية الفقيه ” وهذا الحزب إيراني ومعادي للعروبة وإثباتنا في ذلك إصراره على التنكيل بجثث عرب الأهواز أولا واستمراره في احتلال جزر إماراتية ” عربية 100% ” واستعداده للحرب ضد الدول العربية وإلى ما لا نهاية من التأكيدات على عدم تقبل نصر الله لتهمة الانتماء للعروبة، وأما إنه العربي الوحيد الذي تسمعه إسرائيل فلا نظنها إلا نكتة من عنديات الأخ المغرم بحسن، فعدد الباحثين الإسرائيليين المتخصصين بالشئون العربية يوازي عدد المعجبين اللبنانيين بشخص نصر الله وربما أكثر ولن يصدق أحد أن كل هؤلاء فقط لسماع شخص واحد وإلا لانتهت تلك الدولة من زمان، قبل أن يبلغ هذا سن الفطام.
يتساءل فضل الله سؤالا ميتافيزيقيا من عيار صواريخ حزب الله الكلامية: “هل يمكن حزب الله أن يعيد صياغة رؤية الإسرائيلي لنفسه ؟ ” ويجاوب نفسه بنفسه: “هذا ممكن طبعا، يتوقف ذلك على مدى الجهد الإبداعي الذي سيُصرف على ذلك” نتابع معا للاضطلاع على نوعية هذا الجهد الإبداعي وإذ بنا نفاجئ بأنه يطالب بإطلاق قناة فضائية باللغة العبرية موجهة للجمهور الاسرائيلي المنتظر على جمر من النار تعليمات حسن نصر الله حسب وعي كاتب المقال، يا له من كاتب مغرم بسيده ! ربما يوافق حسن نصر الله على مشروع تقدم به الصحفي أو أحد معارفه لتمويل تلفزيون من ذلك الطراز الذي يعتبره إبداعيا، ويا خسارة قراءة المعجبون بأسيادهم، ويا لفداحة ذلك الوعي!.
(3)
عبد المنعم سعيد والحنين للقديم
يبدو أن الحنين للنظام الذي على وشك الخلع بعد عام ونصف من الثورة المصرية يضرم في فؤاد الكثير من مثقفي مصر الذين وجدوا انفسهم على حين غرة مطالبين بتغيير اللغة، لكن المطالب ليست بالتمني فالحلقة الثقافية التي ” دخلت حظيرة ” نظام مبارك، ودخول الحظيرة هو مصطلح عراب النظام المصري في وسط المثقفين، وزير الثقافة الأسبق الذي دام عمرا في الوزارة، الفنان، فاروق حسني، هؤلاء المثقفون لا يستطيعون إلا تبرير دخولهم ذاك وانطلاقهم في مسيرة التوريث بهمس متستر لبعضهم وبصخب رخيص للبعض الآخر .
عبد المنعم سعيد أحد المثقفين الذين لعبوا دورا مهما في كتيبة داخلي الحظيرة وإن كان أحيانا يلوح بالعصيان عليها بحركات استعراضية لم تنطل على أحد، يحمله الحنين القديم إلى زمان الوصل المباركي فيكتب في زاويته “من القاهرة”" في جريدة الاهرام يوم 17/5 بعنوان ” تغيير مصر” بأن ” كل ما هو مطروح من أفكار ومشروعات عظمى من أول بعث توشكى وحتى ممر التنمية والنهضة بإقليم قناة السويس واستغلال الطاقة في البحر الأحمر و… جرى بحثه من قبل، ولمن لا يصدق عليه قراءة مقالات نشرت بالأهرام على يد متخصصين، وإنما مجلدت ضخمة طرحت في وزارة التنمية الاقتصادية و ….” الكلام إلى هنا سليم أن المشاريع تلك كانت مطروحة من طرف النظام السابق، وإن طرح المشاريع مجددا لا تغني عن جوع إذا لم توجد الآلية الكفيلة بذلك، أي مشروع بناء الدولة حسب المعايير الدولية للدولة، ومنها “معايير الاتحاد الأوروبي كأساس لإصلاح مناخ الأعمال والاستثمار” لكن عبد المنعم يطعم كلامه الحق بباطل أقل ما يقال عنه هو عودة مبارك من الشباك بعد أن أطاح به شباب ميدان التحرير بإنجازهم لثورة سلمية بيضاء لخلع نظام قوي وذو ثقل دولي.
سعيد يريد أن يقنعنا بأن الحل في اختيار المرشحين للرئاسة المصرية هو اختيار، عمرو موسى، أحد اعمدة النظام القديم، يبحث في برنامجه عن جملة تميزه في وسط بحر من الجمل في مشروعه الرئاسي الذي لا يستطيع حمل أي جديد، هكذا يشغله حنين الكاتب والمثقف للماضي عن الإنشغال بمستقبل ثورة ما زالت مستمرة في الشارع، ثورة لا بد من أن تطرح أسئلتها، لماذا ثارت الناس في الشارع ؟ إلى أين يجب أن تتجه مصر؟ هل ثمة شيء في النظام القديم يجب البناء عليه؟ هل أستنفذ نظام يوليو كل فرصه بعد أن أطيح بثالث رموزه، حسني مبارك؟ هل الأزمة بنظام يوليو أم بنظام مبارك فقط والذي هو ثالث السلالة؟ أسئلة كثيرة حري بالمثقف أن ينشغل عليها بدل الحنين إلى حظيرة كان عمرو موسى أحد مهندسيها.












